الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فتى طربزون في ساحة فيصل

رمزي الغزوي

الثلاثاء 3 أيلول / سبتمبر 2019.
عدد المقالات: 1978


ما زال المشهد راسخاً في ذهني: شاب أردني في التاسعة عشرة أو أزيد بقليل، لم يجد سلة مهملات يرمي فيها منديلاً ورقياً استخدمه للتو. تلفت حوله وحدق في كل صوب. مشى إلى الأمام وتراجع يميناً. وكأنه يستغرب في جوانية نفسه. لماذا لا يضعون سلة على غير عادتهم؟ وأخيراً طوى المنديل أكثر من مرة، ودسّه في جيبه. 
المشهد بكل تأكد ليس في عمان، أو في إربد أو السلط أو العقبة. المشهد في ساحة ميدان مدينة طربزون شمال تركيا. لم أشأ أن أدخل مع الشاب في نقاش حين التقت عينانا، وعرف أنني قنصت فعلته. ولربما قرأ ما يخالج نفسي من هذا الموقف العجيب. ولربما توقع مني أن أقول له حين جمعتنا حافلة الرحلة: ماذا ستفعل بالمنديل لو كنت في ساحة فيصل وسط عمان؟.
في دبي، ذات زيارة، أصر صديق لم يكن يؤمن باستخدام حزام الأمان أن أضعه قبل أن يشغل محرك السيارة. فقلت ضاحكا مستغربا: سبحان مغير الأحوال. هل هذا أنت يا صديقي أم ظلك؟: شو الغيرك؟ فأنت أكلت مخالفات بعدد شعر رأسك في عمان، ولم تتحزم به.
على شواطئ نعمة بيه في شرم الشيخ، قبل سنوات، ما زال وجع المقارنة يلتهمني. عائلة أردنية معها أطفالها، سهرت قبالتنا على الرمل الناعم. وحين غادروا تآزروا على جمع مخلفاتهم في كيس حملوه مسافة 200 متر حتى وجدوا حاوية للقمامة.
ربما استطيع أن أجد مبرراً لتغير الأردني وتغوله حين يكون وراء مقود السيارة. فهو كريم متسامح مبتسم يحترم الآخرين. لكنه يتنقلب بقدرة قادر إلى شخص آخر حين يقود سيارته. يصبح نزقاً مثل نمر حمّصه الغضب. لا يتسامح ولا يهادن، كشرته سبعة أرطال، وشتائمه عابرة للقارات.
قد نجد تفسيرا هزلياً لنظرية خلف المقود. ولكن كيف نجد تفسيراً عقلانيا لحالة النظافة التي تنتاب نفوسنا حين نغادر حدود بلدنا؟ كيف تفسرون التزام الأردنيين بالقواعد والأنظمة، وهم في غير بلدهم: أهو الخوف مثلاً؟
ربما عليكم أن تأخذكم زيارة عابرة إلى أحراش اشتفينا والسوس في عجلون، ودبين وزي؛ لتروا بأم أعينكم مئات الأطنان من النفايات المبثوثة. هذه النفايات تركناها دون أدنى شعور غصة خلفنا، ودون أن نسال أنفسنا: كيف نستطيع أن نعود إلى هذا المكان مرة أخرى؟.
القيم منظومة لا تتجزأ، ولا تعترف بالجغرافيا والحدود. فهي في مكمن النفس. وأعتقد أن أبا منديل لربما شعر بالخوف في ساحة الميدان. خوف أن ياتيه أحدهم ويدسه في جيبه، لو رماه في مهب الطريق.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش