الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مراسيل مكهربة

رمزي الغزوي

الأربعاء 4 أيلول / سبتمبر 2019.
عدد المقالات: 1975

قبل سنوات كان صندوق بريدي يعمر بالرسائل الآتية من كل جهات القلب. وكم كانت لهفتي تغالبني وتجعلني، في بعض الأحيان، أفترش دكة إسمنتية صغيرة جوار مكتب البريد، لأفض كطفل عجول مغلف رسالة لا أطيق عليها صبراً. وكم ملأتني دموع، وكم هيجتني عبرات، وأنا أشم رسالة أستحضر مرسلها أمامي عبقا وطيبا، فأقرؤها مرة إثر مرة.
تصلني مئات الرسائل عبر بريدي الإلكتروني في هذه الأيام، وعبر صفحتي على الفيسبوك أو هاتفي الجوال، ولكنها لا توقعني في ذلك الحنين، الذي كانت تصنعه الورقة، فقد كان لها نكهتة أخرى. الرسائل الورقية المحملة بأنفاس ولمسات وبصمات مرسليها، وهمساتهم الدافئة حين يلصقون عليها الطابع الصغير، هذه الرسائل ليست إلا شحنة كهربائية لذيذة عارمة تلذعني، وتدغدغني بالشوق.
سقى الله أيام الورق ورائحته ولمساته، وسقى الله رسائل البريد الملونة المضمخة بالحنين والأشواق المحشورة بين السطور، وسقى الله حرصنا الطفولي العظيم حين كنا نكتب على كل رسالة نرسلها: شكراً لساعي البريد.
ولهذا وعلى سبيل الدهشة، وكسراً لروتين الحياة وعاديتها ومللها، ما زلت أحرص كل الحرص أن أتبادل الرسائل الورقية مع حفنة من أصدقاء خارج الوطن وداخله، وكم أجدها مختلفة ومدهشة هذه العادة الجميلة، وكم مرة أمرني فضولي وشوقي أن لا أبرح مبنى البريد، إلا وقد قرأتها، مرة أو مرتين!.
قبل بضع سنوات أطلقت هونغ كونغ شعار (شخص واحد، رسالة واحدة)، وهي فكرة تتيح لكل مواطن أن يرسل مجانا رسالة لمواطن آخر، وذلك لحث الناس على الإبقاء على الرسائل الورقية فيما بينهم، لما فيها من تواصل إنساني جميل بدأنا نفتقده في أيامنا هذه، رغم ما ننعم به من تكنولوجيا الاتصالات، ولا أعلم هل ما زال العرض قائما؟ ولماذا لا يتجدد هذا العرض في العام مرة واحدة. أو في كل عشرة أعوام؟
دوائر البريد في العالم كانت تنقل مليارات الرسائل في السنة الواحدة، والتي لو رُصّت جنبا إلى جنب لغطت المسافة من الأرض إلى القمر 200 مرة، أو غطت سوراً بارتفاع 4 أمتار حول العالم. وكم من هذه الرسائل كانت تحمل الأشواق الساخنة، والمواعيد اللاهفة، أو تحمل قبلاً مهموسةً في منديل صغير.
   هي دعوة أن نرسل رسالة ورقية لصديق قريب، حتى لو كنا نراه مرتين في اليوم، أو إلى حبيب غاب منذ أقل من قبلتين، أو أخ لم يتذكرنا منذ رنة جوال. دعونا نرسل رسالة ورقية؛ كي نشعر أننا لم نتحول بعد إلى آلات صماء.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش