الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يوبيلية «أرباط».. رِباطُ الحَنين والتّاريخ

مروان سوداح

الأربعاء 11 أيلول / سبتمبر 2019.
عدد المقالات: 13

في كل زيارة إلى موسكو، أبدأ رحلتي بالتوجه سريعاً إلى شارع «أرباط» الروسي الشهير، الواقع في قلب موسكو، وبالقرب من الكرملين التاريخي.
 في هذا الشارع الكلاسيكي العِمران والإنسان، والذي يَعود زمنه إلى أكثر من 526 سنة، كما في بعض المراجع الروسية الحالية، ترى فيه ما لا تراه في روسيا كلها، فهو جامع لخليط تاريخي قومي عربي وروسي، ويرمز إلى مصاهرة تاريخية بين عالمين، يجمعهما الرباط الروحي والانساني عبر التاريخ، أضف إلى ذلك، الاقتصاد والتجارة التي ازدهرت فيه، فعكست الأُخوّة العربية الروسية عبر القرون.
 مَن لم يدخل شارع «أرباط» ليلمس ويتحسّس حجارة بناياته العجائبية، وإن كان دَرَسَ أو عَمِلَ في روسيا، فهو حتماً لا يَعرفها، ولا يمكنه أن يَبني علاقة مع أهلها. فالشارع هو رمز لحنين روسي للعربية والعرب، بالرغم مِن أن غالبية العرب لا يعرفونه ولم يسمعوا باسمه، لكنه يُحافظ على سمعته، ويزداد تألقاً سنة بعد أخرى، فروسيا الدولة والشعب يَحافظون على معناه «بلا هوادة»!
 «أرباط» يمتد لمسافة كيلومتر ونصف الكيلومتر، وهو مخصص للمشاة فقط، وقد فشلت قطعان الإمبرطور نابليون بونابرت في تدميره نهائياً، وإن كان «أرباط الخشبي» قد احترق «تماماً» بحسب بعض المراجع الروسية، إبّان احتلال قواته لموسكو، لكن «أرباط» استعاد شبابه بسرعة، وفشل الغازي الاجنبي الدخيل بهدم رمز هام من رموز الشرق العربي في روسيا التي لم ولن تصبح غربية أبد الدهر، بل ستبقى شرقية، وجزءاً من الشرق بكل معانيه الواسعة، لغةً وبأشواق الناطقين بها.
 و «أرباط»، ويُمثّل طريق الحرير الروسي العربي إن جاز التعبير، يعني بحسب قراءاتي السوفييتية الكثيرة عنه على امتداد نيّف ونصف قرن ـ والتي تناساها كثيرون من أبناء اليوم روساً وعرباً ـ تعني بلغة الضاد «الرِّباط»، ويُقصد بذلك المنطقة الموسكوفية الرئيسية التي كان التجار العرب المُرتحِلون إلى موسكو القديمة، «يربطون» فيها أسرجة خيولهم التي تجر عرباتهم التجارية، المُحمّلة ببضائع «الشرق العربي والاسلامي» النفيسة، يبيعونها في موسكو، ويكسبون منها الكثير من المال والجاه الذي يُغدقه عليهم الروس، وهم الذين ما فتئوا يتطلعون إلى الشرق بشوق وحنين حتى يومنا هذا، ويعتبرونه أيقونة الأعاجيب الإلهية، بحر الملح، العلوم والشمس الساطعة، وحكايات ألف ليلة وليلة.. الخ 
 و «أرباط» أضحت أيضاً مقصداً ومحجّاً للمُحبّين والعُشّاق، وحتى لـ»العائلات المختلطة»، الروسية - العربية وأبنائها وبناتها، والتي ترى فيه أماناً من نوع معين، وتنوّعاً ثقافياً متفرّداً في روسيا يَجذب الجميع بلا نقاش إلى أرض الرسالات والأنبياء، فلسطين والأُردن، التي انطلق منها بالذات التجّار إلى موسكو ليعمروا قلوب الروس بحبهم، ويتقاسمون معهم «الحلو» والحكايا المِلاح، فكانت وتكوّنت الصداقة الإنسانية بينهم، فالمصاهرة والاخوّة بكل ما فيها من صحيح الكلام وصفاء الفكر وفيضان المَحبّة.
 لا بد من الاعتراف، أن بيريسترويكا غورباتشوف التَغريبية، غيّرت الكثير في مفاهيم «أرباط» وأهدافه، وكذلك في الصحافة على يد المُستغرِبين، كما حاولوا تغيير (تدمير) روسيا، إذ أصبح الشارع موقعاً للتيارات الفنية والسياسية على اختلافها، لكن الموسيقيين وأصحاب الفن الرفيع استمروا على وجودهم التاريخي فيه، وإن تحوّل إلى شارع تجاري، تنتشر على جنباته المطاعم، وبضمنها الشرقية، وأضحى أكثر روسيةً، لسبب أن الفِعل العربي تراجع عنه، ولكني وجدت فيه الحلويات الشرقية التي تُصنع بعلامة (بترا) الأُردنية في روسيا، ليستمر «أرباط» رمزاً للمصاهرة والاخوّة التاريخية العربية الروسية، رَضِي مَن رَضِي، وأبَى مَن أبَى!
*صحفي وكاتب أردني.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش