الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«أوراق هارون».. ذاكرة فلسطينية متعددة الطبقات

تم نشره في الجمعة 13 أيلول / سبتمبر 2019. 01:00 صباحاً


فيصل درّاج
أقام عامر طهبوب روايته الجديدة «أوراق هارون»  التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت، 2019) على ذاكرة فلسطينية متعددة الطبقات، تستعيد تفاصيل النكبة، وتمر على حاضر شائك الجهات، وتوحي بمستقبل يصوغه التفاؤل، وانتهى إلى عمل روائي طويل يقع في أربعمائة وخمسين صفحة. استهل نصه بإشارات تفصح عن هوية وطنية وطيدة الملامح، تعتبر الذاكرة المخلصة ضماناً لعودة «ستأتي». يفترش غلاف الرواية رسم لامرأة جميلة، تعود إلى الراحل الجميل إسماعيل شموط، وتحمل الصفحة الأولى تحية إلى الشهيد عبدالوهاب الكيالي، ويتضمن السرد مذكرات منشورة عن «حكايات اللجوء الفلسطيني»، و»نزوح بين غربتين»، و»سير مدن فلسطينية»، روّعها الصهاينة عام 1948. ولم يقتصد في الأغاني والأهازيج و «لهجة الفلسطينيين»... تطلع، ربما، إلى مساكنة روح فلسطين، واحتضنها كما كانت،
«تستمد رواية طهبوب قيمتها من «أوراق هارون»، التي هي وثيقة – ذاكرة، حوّلها الروائي إلى وثيقة فنية مشبعة بالدلالات» أعقب اللجوء، وصفت «مخيم الداعوق» في بيروت، الذي عاش بؤسه شاب نجيب احتفظ بـ»أوراق هارون»، وحفظ ما جاء فيها وهو طالب في بلجيكا... حافظ الشاب على أوراق أبيه، وأعلن عن استمرارية الآباء في الأبناء، وتقاسمهم ذاكرة واحدة.
تستمد رواية طهبوب قيمتها من «أوراق هارون»، التي هي وثيقة – ذاكرة، حوّلها الروائي إلى وثيقة فنية مشبعة بالدلالات، تؤسس للفعل الروائي وتمدّه بأبعاد متعددة متكاملة. سردت الأوراق بعداً حكائياً عن تشظي القدر الفلسطيني، قوامه شاب يافاوي عشق يافاوية قبل نكبة قادمة فصلت بينهما، ووصلت بين مآليهما الحكايات، التي تعلّق على القدر الفلسطيني ولا تغيّره، موكلة ما كان إلى أحضان الذاكرة.
استولد الروائي البعد الحكائي من وثيقة وطنية – فنية، أسبغت على الحكاية وحدة جمالية. ارتكن صاحب الوثيقة، أي هارون، إلى لغة مرنة، تجمع بين العامي والفصيح والشعبي البسيط والتأمل الأسيان، والشعري الذي ينطق قلوب العاشقين. انتهت الأوراق إلى نص مفتوح، كتبه الأب ويستكمله الإبن، يمحو المسافة بين زمنيهما، ويعلن بذاكرة فلسطينية، تبدأ بنوّار اللوز في يافا، ولا تنتهي «بابن مخيم» يتابع دراسته في جامعة أوروبيّة.
تمثّل «الأوراق» التي تحيل على مفرد علم «أوراقاً فردية وجماعية». سجّل فيها الأب تجواله بين مدن متعددة، وقد اصطحب شخصيات ومهنا وطبائع وطرائق في الكلام والتفكير. أنطق
«ارتكن صاحب الوثيقة، أي هارون، إلى لغة مرنة، تجمع بين العامي والفصيح والشعبي البسيط والتأمل الأسيان، والشعري الذي ينطق قلوب العاشقين» السارد المجموع موحّداً بين الروح والمكان والسياق، وبين الأرواح الفلسطينية و»لهجات» يافا وحيفا واللد والرملة والناصرة وصفورية... ارتحل في المكان متوقفاً أمام كل مدينة، معالمها العمرانية وأعلامها ومدارسها وأطعمتها، وقرأ السنوات الأربع الأخيرة من تاريخ فلسطين، وأقام بين الشخصيات حواراً ممتداً، يكشف عن فلسطينيّي ذاك الزمن وأحلامهم وأوهامهم، وانتظارهم «جيش إنقاذ عربي»، أنقد «غنائمه» وترك الفلسطينيين في العراء.
اشتق السارد وثيقة من بحث دقيق، مدقق، لافت للنظر، كما لو كان مصوّراً وعالم اجتماع وخبيراً بالعائلات والأنساب، وكل ما يعينّه مؤرخاً شاملاً، من نوع خاص، يمسك بملامح فلسطين قبل «سقوطها». وليس من التزيّد في شيء القول بأن عامر طهبوب أنجز نصاً روائياً فريد الخصوصية، تقصى أحوال فلسطين قبل سقوطها بشغف واجتهاد لا مزيد عليهما. لكأنه اعتقد أن إخلاص الذاكرة يسترجع ما كان، اتخذ الروائي من الذاكرة بطلاً روائياً، يواجه التاريخ ويرد عليه الأخير بإشارات ملتبسة، أعلن عنه «صاحب الأوراق»، الحاضر بلغته وذكرياته ومآله، والإبن الذي رأى فلسطين بعيون أبيه. غير أن الأخير، رغم وسامته وتفوّقه وتفاؤله، لا معنى له من دون أبيه الذي يسوّغ وجوده، فهو «يحفظ الأوراق» ويحافظ عليها، ويدعها قابلة للقرّاءة في منفى غير عربي. والسؤال المنتظر: ما الذي يمثّله الابن النجيب، تاريخياً، إذا كان مسوّغ وجوده يأتي من أب رحل، ومن «أوراق» يرمي عليها الزمن بصدف متعددة؟
قاسم الشاب بطل طهبوب أبطال جبرا إبراهيم جبرا بعض صفاتهم، مع فروق لا يمكن محوها. كان لرواية جبرا، التي لا يعوزها التجريد، سياقها، لم تكن أرض فلسطين «بقيا» مما كانت عليه، وكان في الأفق التاريخي شيء من أمل. عاد طهبوب إلى «البطل الإيجابي» في زمن
«تدفع الرواية بالقارئ إلى سؤال قلق الإجابة: هل تنصر الذاكرة المخلصة قضية شعب مضطهد، أم أنها تحول دون انطفاء قضيته لا غير؟»
مغاير، وأسبغ عليه صفات من زمن مختلف، ولم يمنع عنه «النهاية السعيدة» المرغوبة. فهو منتصر بذاته، لا فرق إن تصالح معه خارجه أو أعرض عنه. شيء ما يذكّر برواية الراحلة النبيلة رضوى عاشور «الطنطورية»، التي ألغت المسافة بين التفاؤل والأمل.
وطّد طهبوب روايته «بنواة صلبة»، أقرب إلى الندرة، قوامها ذواكر وطن فلسطيني ابتعد، وأحاط النواة «بقشرة حكائية»، متعددة الشخصيات ترى في الماضي مرجعاً لها، كما لو كانت في الماضي وصية رشيدة، لا تموت، تحنو على القدس وتمنع عنها الضياع، وتدع يافا أمام بحرها البهيج، تنتظر عودة الغائبين، وتنشر تفاؤلاً رحباً في زمن فلسطيني لا يوحي بالتفاؤل.
خلق طهبوب، فنياً، وطناً من الذكريات، وعطف عليه لاجئين حافظوا على ذكريات لم يعيشوها. ارتكن إلى «رواية المضطهدين»، الذين لا يتخلّون عن أمل خلق من أجلهم. فآمال المنتصرين وراءهم. أنطق الروائي المشبع بمبدأ الأمل فلسطين التي كانت، بشراً وحجراً وشجراً، وانتهى إلى فضيلتين: الإخلاص لوطن عشقه ولم يره، والإخلاص في بناء ذاكرة كتابية تريد أن تقول إن ذاكرة فلسطين لا تموت. وأنتج إخلاصه المزدوج، في وجه منه، شكلاً كتابياً جديداً يثير الفضول والغرابة والتساؤلات، وهو ما يطمح إليه كل كاتب يتمتع بالمسؤولية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش