الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«كونشرتو» شعري على مقام الإبداع

تم نشره في الجمعة 20 أيلول / سبتمبر 2019. 01:00 صباحاً
تأملات في قصيدة (النَّسْلُ المطرود) لحسن المطروشي ناظم ناصر القريشي

لا نهائية لفكرة الشعر فهو بهجة اللغة وبلاغتها القصوى ووجهها الوضاح، رغم انه لم يستطع أحد معرفة السرّ الكامن فيه، ولا هو يبوح بسره هذا الذي هو مأسور له، فللشعر قوة تسري في الدم و تؤثر في الروح، فمنذ البدء تنهض الملحمة القديمة بكامل حضورها، بفكرتها الأولى، بحروفها السومرية على الواح الطين حيث سومر أول الزمان، فتعتصم الفكرة بالكلمات حتى اخر كلمة لتكون شعرا في ملحمة، وتأتي القصيدة عند الشاعر حسن المطروشي كأنها قبضة من ريح متخمة بالتراجيديا في تكوينها لتستأنف ما بدأت به الملحمة الاولى، ليجعلنا نتساءل اليس هذا هو الشعر فعل جمالي عبر الالهام والتأمل حيث الشاعرية تتموج من الفكرة الى الكلمات، وهذا ماسنجده في قصيدة (النَّسْلُ المطرود) الفائزة في جائزة توليولا الإيطالية للشعر العالمي (فرع الشعر غير الإيطالي)
 قراءة موسيقية
حيث تنفتح القصيدة على موسيقى الصمت الهائلة في صحراء مقفرة، موسيقى لا تنبىء عنها الكلمات لكن المعنى يؤكد وجودها، موسيقى تستطيل فيها اللحظات كما تمتد الصحراء في صمتها المطبق، أنطولوجيا للعزلة تهتف عاليا يصاحبها لهفة الاشتياق حد الشغف بالعودة الى الجهة الأخرى ضفة من الاشتياق هو الاخر نداء يحمل لهفة الوصول، موسيقى قاسية سلمها يحتوي على نغمة واحدة هي السكون وفاصلتها الزمنية التأمل، وكأن يد الشاعر اليسرى تعزف على المفاتيح السوداء للبيانو تأركا اليد اليمنى تعزف على نغمة التمني
 قراءة بصرية
الكلمات في القصيدة تمنحنا زمن حضورها فالشمس بعد الزوال خلف جسد الشاعر وظله امامه يمتد طويلا في صحراء مقفرة، وهذا يعني أن القصيدة كتبت بعد أن أرهق الشاعر يوم طويل من الحياة وهو في بحثه الدائم عن الخلاص في صحراء مقفرة لا تنعكس عليها زرقة السماء، ألوانها مبهمة تسبح بعزلتها، لكن الزمن يسحبنا الى الملحمة لتاريخ طويل من المعاناة بعد ارتكاب الخطيئة الأولى، فكل شيء يبدأ من الماضي السحيق مرورا بالحاضر الى المستقبل، هذه الخطيئة التي تفرض علينا ارادتها بأثر رجعي، و في الأتي من القصيدة يحضر الشاعر فردا بتفكير جمعي ممثلا لسلالة الطين وسفيرا للنسل المطرود فيقول في مفتتحها-:
ما ثمَّةَ مِنْ أَحَدٍ،
ما مِنْ أحدٍ في هذا القَفْرِ
سوى جسدي،
أنا صاحبُ هذا الظلِّ،
أنا النَّسْلُ المطرودُ،
أُنَقِّلُ قَبْري منذُ قُرونٍ في الفَلَواتْ
لي أعداءٌ كُثْرٌ.. كُثْرٌ،
لا أعْرِفُهُمْ،
وَقَفوا في العَتْمَةِ
ينتظرون قُدومِيَ بالسنواتْ
لي نُدَماءٌ كُثْر.. كُثْرٌ،
لا أذْكُرُهمْ،
لا يذْكُرُني أَحَدٌ،
ما شأني مَشْغولٌ بقياماتِ الأمواتّ؟!
ان الرموز في القصيدة تأخذنا إلى مفاتيح الاستدلال في فهم هذا الإبداع الذي يعبر عن محنة الإنسان، فهي توحي بما توحي اليه سواء كان هذا الإيحاء ظاهريا يصل الى المتلقي في القراءة الأولى او ما تضمره من قول حسب ثقافة المتلقي، وسنرى انه حتى في اشد اللحظات حراجه يستفيق هذا الشعر في الكلمات، فنقرأ ميثاق الشاعر وهو يتقدم بِاسْمِ المَقْتولِ وقاتِلِهِ :-
بِاسْمِ المَقْتولِ وقاتِلِهِ
أتَقَدَّمُ عُرْياناً نَحْوَ الطوفانِ وأعْبُرهُ وَحْدي
لَمْ يَفْتَأْ هذا الدمُ
مِلْءَ عُروقيَ مُحْتَشِدًا ضِدِّي
لَمْ أُكْمِلْ بَعْدُ أحاديثي في النومِ إلى جَدِّي
الحيز اللغوي الذي تنمو فيه رغبة لا تهدأ لبلوغ غايتها،فإذا قرائنا النبضات الشعرية الكامنة خلف الكلمات في هذه القصيدة سنجد ان ماهيتها تطابق فكرة الشعر الذي انبثقت منه، وما تكتنزه الصورة الشعرية من بلاغة مثيرة ليس في التعبير فحسب الامتداد بالإيحاء والتأمل ايضا، فلغتها تتقارب رغم تباعد الزمان وقرب المكان فهي تختزن ثأرها من العزلة والقلق الوجودي للجواب عن اسئلة ربما لا أجوبة لها، ويبدو أن الزمان كأنه هو الذي يقرأ سيرة المكان فيقول الشاعر :
أنا حارسُ مَقْبَرَةِ الأسْلافِ الغَرْقى
لي عُكّازٌ أتأبَّطُهُ في الرقصِ كقُرْصانٍ ثَمِلٍ،
أو لَهْوي مُنْتَشِياً في زُمْرَةِ أطفالٍ حَمْقى
لا نَعْبَأُ مَنْ مِنّا سَيَطيرُ ومَنْ يَبْقى!
لَمْ أبْرَحْ مُمْتَشِقًا سَيفَ الثوّارِ
وأرْكُضُ في أرَقي
لَمْ يَنْقُصْ ليلُ كوابيسيِ،
ومواعيدُ الغرباءِ على طُرُقي
لا نَهْرَ يسيلُ بلا قلقي؟!
 قراءة سموغرافية
على شاشة القصيدة سنجد ذلك الغنى الشعري في فضاء رمزي مليء بالصور الشعرية وتعدد طبقات الصورة، فبثلاث لوحات وفاصلة جعل الشاعر حسن المطروشي من قصيدته كونشيرتو شعر ي تتحول فيه الملحمة من ثباتها الأبدي الى أحداث صغيرة متتابعة وكأنها تمارس مهام يومية من بعيد، فابتكر افتتاحية ملحمية من القلق، ثم يستأنف الشاعر نصه بالاغتراب حيث يدل على ذلك المكتوب الشعري تشكيليا، وبأسلوب سيموغرافي قد يرافقه التجريد بنبضات شعرية، ثم يتحول الى رسم صور ذهنية التي تنهمر شعريا بخيارات تكوينية كهذا السحر الدافق من قلب الكلمات، ثم يرسم الشاعر شخصه بالكلمات بعدما ظهر لنا وجودا وظل في صحراء مقفرة، وذلك حين ادخر لخاتمة القصيدة نصًا موازيًا لروحه، وهذا هو ابداع الشاعر الذي منح التشكيل الصوري من خلال الكلمات هالته الشعرية، فكل ما كتبه الشاعر والذي نقرأه الان يمكن التأمل فيه مثلما نتأمل في الحياة.
 النص
(النَّسْلُ المطرود)
ما ثمَّةَ مِنْ أَحَدٍ،
ما مِنْ أحدٍ في هذا القَفْرِ
سوى جسدي،
أنا صاحبُ هذا الظلِّ،
أنا النَّسْلُ المطرودُ،
أُنَقِّلُ قَبْري منذُ قُرونٍ في الفَلَواتْ
لي أعداءٌ كُثْرٌ..كُثْرٌ،
لا أعْرِفُهُمْ،
وَقَفوا في العَتْمَةِ
ينتظرون قُدومِيَ بالسنواتْ
لي نُدَماءٌ كُثْر..كُثْرٌ،
لا أذْكُرُهمْ،
لا يذْكُرُني أَحَدٌ،
ما شأني مَشْغولٌ بقياماتِ الأمواتّ؟!
*****
بِاسْمِ المَقْتولِ وقاتِلِهِ
أتَقَدَّمُ عُرْياناً نَحْوَ الطوفانِ وأعْبُرهُ وَحْدي
لَمْ يَفْتَأْ هذا الدمُ
مِلْءَ عُروقيَ مُحْتَشِدًا ضِدِّي
لَمْ أُكْمِلْ بَعْدُ أحاديثي في النومِ إلى جَدِّي
ــ مَنْ أنتَ؟ أصيحُ،
يقولُ: «أنا ناموسُكَ، فَلْتُقْبِلْ.
إني أَوْرَثْتُكَ مُهْرَ الأرضِ فَطُفْها مِنْ بَعْدي
إني أَوْرَثْتُكَ جُرْحًا يُدْعَى الحُرِّيَّةَ يا وَلَدي»!
*****
أنا حارسُ مَقْبَرَةِ الأسْلافِ الغَرْقى
لي عُكّازٌ أتأبَّطُهُ في الرقصِ كقُرْصانٍ ثَمِلٍ،
أو لَهْوي مُنْتَشِياً في زُمْرَةِ أطفالٍ حَمْقى
لا نَعْبَأُ مَنْ مِنّا سَيَطيرُ ومَنْ يَبْقى!
*****
لَمْ أبْرَحْ مُمْتَشِقًا سَيفَ الثوّارِ
وأرْكُضُ في أرَقي
لَمْ يَنْقُصْ ليلُ كوابيسيِ،
ومواعيدُ الغرباءِ على طُرُقي
لا نَهْرَ يسيلُ بلا قلقي؟!
*****
رَغْمَ الخَمْسينْ
لَمْ تَنْقُصْ عاداتي الرعْناءُ،
كَأنْ:
 أتَلَعْثَم في المجلسِ،
 أرْجُف مُرْتَبكاً عند حديثي لامْرأةٍ
 أعدو في قارعةِ الرمضاءِ بلا خُفَّيْنْ
 أو تَضْحَك إحداهُنَّ فَتَشْطُرُني نِصْفَيْنْ
 أو يَخْذلني الأصحابُ فلا أحْكي
 أو آتي الليلَ بكُرْسيَّيْنْ:
ــ كرسيٌّ لي وحْدي
ــ والآخرُ كيْ أبدو لي اثنيْنْ

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش