الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نحن ومفكرو الغرب

تم نشره في الجمعة 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2019. 01:00 صباحاً


الدكتور فتحي حسن ملكاوي
لسائل أن يسأل: لماذا نتحدث عن الغرب اليوم، ما الذي يعنينا من الغرب، هل حُلَّت كل مشاكلنا واختفت كل قضايانا ولم يبق إلا الغرب لنتحدث عنه؟ وفي الإجابة يمكن أن نتساءل: أفلا نعيش فكر الغرب وثقافته؟ أولا يعيش الغرب في فكرنا وثقافتنا؟ إلى أي درجة ينشغل الغرب بنا، وما شكل هذا الاهتمام وما الغرض منه؟ وإذا كنا مشغولين بالغرب فعلاً، فإلى أي درجة، وما شكل هذا الانشغال، وما الغرض منه؟
وأظن أننا نستيطع الإجابة عن هذا السؤال من مداخل متعددة، ومن هذه المداخل:
مدخل الأنا والآخر، فقد نتحدث عن أنفسنا بوصفنا أمة ذات رسالة، لا بد أن نبلغها للآخر، كائناً من كان هذا الآخر، والغرب الآن هو الآخر الذي نريد أن نوصل إليها رسالتنا لأسباب تختص بهذا الغرب تحديداً. وقد نتحدث عن الآخر (أي الغرب في هذه الحالة) لاعتبارات تختص بوصول هذا الغرب إلى مستويات متقدمة من التقدم والبناء الحضاري، ونحن نحتاج إلى الاستفادة من هذا الغرب في سعينا للنهوض الحضاري.
مدخل آخر يمكن أن نُسمِّيه مدخل العولمة فنحن نعيش اليوم، نحن وسائر العالم، في عصر يسمي عصر العولمة. والعولمة في أحد تجلياتها هي ظاهرة الامتداد على مساحة العالم، وهي بالمناسبة ظاهرة كانت حاضرة على مدار التاريخ، فنحن لا ننسى عمليات الامتداد الامبراطوري، ومنها امبراطورية الاسكندر وحركة ذي القرنين الذي ذُكرت في القرآن الكريم حيث ما بين مغرب الشمس ومطلعها مما كان معروفاً، ونتذكر تنافس الدولتين الرومانية والفارسية في الامتداد على الأرض المعروفة، وحتى الفتوح الإسلامية فعقبة بن نافع الفهري وقف على شواطئ الأطلسي: يقول اللهم لو كنت أعلم أن وراء هذه البحر أرضاً لخضته إليها في سبيلك، والأوروبيون خاضوا ذلك البحر ووصلوا إلى تلك الأرض، ونشروا فيها ثقافتهم ودينهم، ولا ننسى الحروب الصليبية والاستعمار الأوروبي ... فكل هذه أمثلة من محاولات الامتداد على ساحة العالم، كانت تحدث فيها عمليات احتكاك وتفاعل سجل التاريخ كثيراً من الجوانب السياسية والعسكرية، وقليلاً من الجوانب الثقافة والحضارية، وكان من صور التفاعل ظاهرة ولع المغلوب بتقليد الغالب، وكان منها العكس تماماً حتى وصل إلى انصهار الغالب في مجتمع المغلوب.
لكن ظاهرة العولمة المعاصرة تختلف كثيراً عن كل صورها السابقة، لأن أثر العولمة اليوم يتجلى في سائر شؤون الحياة اليومية، نظراً لسرعة انتقال الأفكار والممارسات. فالعولمة المعاصرة تمتلك من الأدوات ذات التأثير العميق في حياة الناس ما لا يستطيع أي مجتمع أن يتجاهل هذا التأثير. وعليه فإننا اليوم لسنا مخيرين في أن نعرف عن الغرب والغربيين، فالغرب يعيش في كل تفاصيل حياتنا، وتمتلئ به مساحة هذه الحياة.
ومن مداخل التي تسوغ الاهتمام بالغرب والحديث عنه مدخل التصور الكلي أو الرؤية الكلية أو رؤية العالم: فالغرب هو جهةٌ من جهات العالم، ووجودٌ من موجوداته، وحقيقةٌ من حقائقه، ورؤية العالم لأي فرد أو مجتمع تحدِّد فهمه لهذا العالم وتعامله مع مكوناته وسلوكه إزاءها. لكن رؤية العالم لا معنى لها إلا إذا كان صفة للإنسان أو المجتمع. فقد جاء في كتاب تربية المقهورين للمفكر البرازيلي باولو فريري فكرة طريفة تتعلق بالطريقة التي يدرك فيها البسطاء العالم الذي يعيشون فيه، وحدث ذلك في إحدى حلقات النقاش في تشيلي بأمريكا الجنوبية وكان موضوع النقاش هو المفهوم الأنثروبولوجي للثقافة. يقول فيريري إن النقاش تدرج حتى وصل بأحد الفلاحين أن يقول: «الآن أعرف أنَّ هذا العالم موجود لوجود الإنسان» وقد حاول مدير الجلسة أن يختبر هذه المقولة فأجابه بسؤال: «لو مات جميع الناس الموجودين في هذا العالم، وبقي هذا العالم بما فيه من أشجار وطيور وحيوانات وبحار ونجوم، أفلا يكون هذا العالم موجوداً؟ فرد عليه الفلاح دون تردد: لا ، لأنك لن تجد في تلك الحالة من يقول لك هذا هو العالَـم! فعدم الإحساس بالغرب كأنه يعني عدم وجوده، وعدم الاهتمام بفهمه يعني عدم إدراك تأثيره فينا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش