الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المادة والحياة

الدكتور محمد عبد العزيز ربيع

الثلاثاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2019.
عدد المقالات: 15

إن توجه الفرد في عالم اليوم إلى امتلاك كل ما يمكن امتلاكه من أمور مادية، وقيام كل مجتمع أقل رفاهية بتقليد المجتمعات الاكثر رفاهية، جعل المظهر الاستهلاكي يطغى على الجوهر الثقافي والأخلاقي والإنتاجي؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع دور القيم والأخلاقيات في حياة المجتمع. من ناحية ثانية، تسبب السعي الحثيث لإمتلاك الأموال وتكديسها والاستيلاء على أسباب القوة في قيام النخب المهيمنة على حياة المجتمع بسلب جزء كبير من حقوق عامة المواطنين، متجاوزين بذلك مبادئ العدالة والمساواة. ولقد تسبب هذا في زيادة أعداد الفقراء والمحتاجين، واضطرار بعضهم إلى العيش حياة بؤس ومذلة. وفيما أصبح الثري والقوي لا يتوقف عند حدود قيم أو مبادئ في سعيه لامتلاك المزيد من الثروة وأسباب القوة، فإن الفقير والضعيف لم يعد يتوقف كثيرا عند حدود كرامة أو أمانة في سعيه لضمان بقائه وامتلاك ما لا يستطيع أن يشتريه بماله.
في المقابل، حين ينعم مجتمع بالثقة وتسود الحرية والعدالة الاجتماعية في ربوعه، فإن التعاون يسود علاقة القوى الاجتماعية التي تدير أمور المجتمع السياسية والاقتصادية  والثقافية، ما يجعل التغير والتحول المجتمعي يسير في اتجاه ايجابي يضمن حقوق كافة أفراد المجتمع. وهذا يقود المجتمع في الاحوال العادية إلى تحقيق نهضة شاملة تشمل الاقتصاد والسياسة ومنظومات القيم والاخلاق؛ الأمر الذي يصون وحدة المجتمع ويعزز ثقة المواطنين بأنفسهم ووطنهم. لكن حين تتحكم المادة في حياة الناس وتطلعاتهم، فإن القوى الاجتماعية المهيمنة على السياسة والاقتصاد تتجه نحو توظيف ما لديها من امكانات لتعزيز مواقعها على حساب حقوق وإنسانية الفئات التي تعاني الفقر والحاجة. وهذا يتسبب في تراجع قيم وأخلاقيات القوي والفقير على السواء. نتيجة لذلك يتجزأ المجتمع إلى طبقات اجتماعية اقتصادية متنازعة، وفئات اجتماعية ثقافية متنافرة يصعب ان تلتقي حول أهداف مشتركة. ومع تمزق المجتمع وتصارع فئاته المختلفة، تتراجع احتمالات النهضة، وتطول فترات التخلف.
وهكذا يصبح الجشع والشهوة بالنسبة للغني والقوي، والغيرة والحاجة بالنسبة للفقير والضعيف أهم الدوافع التي تحفز الناس على العمل والاستثمار، وأحيانا على السرقة والاحتيال.. ولما كان هذا هو حال بعض من عرب اليوم، فإن أخلاقيات العمل الشريف تراجعت، ما جعلها تقوم بإعادة تشكيل العلاقات في المجتمع على أسس مصالح ومطامع لا علاقة لها بقيم. ولما كانت الأخلاق والقيم والمواقف من الغير تعكس ضمير الفرد والجماعة، فإن حال الأمة العربية يشير إلى أنها أصبحت بمثابة كرة تتدحرج نحو الهاوية.
ومع أن أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج تقوم بتحديد مستويات المعيشة، إلا أن مستوى التكنولوجيا ونوعية الثقافة السائدة تُسهم في تحديد طبيعة نمط الإنتاج والرغبة في الانخراط في عمليات الإنتاج. يقول شارلز فان دورين: «الأثرياء ليسوا أثرياء بما يكفي، لأن الاكتفاء يعني قناعة الإنسان بما لديه من أشياء. حين تأتي الرغبة أولاً، فإن الحصول على ما يكفي من الأشياء يغدو مستحيلاً؛ وحين تأتي القناعة أولاً، فإن أهمية ما لدى الإنسان من أشياء تختفي.» (Charles Van Doren, A History of Knowledge, 242)
وهذا يعني أنه من شبه المستحيل أن يصبح الثري قنوعا، وأن يصبح القنوع ثرياً. فالأول يرى كل الأموال مهما كثرت قليلة، فيما يرى الثاني كثيرَ المال وقليله سيان. ولما كانت القناعة والجشَع والمثابرة والتواكل عناصرُ ثقافية، فإن الثقافة تقوم بتحديد سقف الطموحات بالنسبة للإنسان، ما يجعلها تحدد الأولويات الفردية والجماعية، وتترك أمر تحقيقها للاقتصاد والسياسة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش