الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ماراثون بالزي الرسمي

تم نشره في الجمعة 6 كانون الأول / ديسمبر 2019. 01:00 صباحاً


ليلى سلامة
كان عددنا أربعين موظفًا محترمًا، والطريق الأقصر لمبنى الشركة هو أن نمر يوميًا بشكل جانبي عبر فتحة في سور موقف السيارات المؤدي لمكان العمل، وإن كنّا محظوظين نعبر دون أن نضطر للقفز فوق إحدى السيارات المركونة أمام تلك الفتحة في الجدار. أعملُ نائبًا للمدير وهذا يعني أنني أقوم بعمله أيضًا.
في يوم السباق كنت معه في سيارته الفارهة أجلس بجانبه وبمثل أناقته تقريبًا، يلّوح بذراعه مشجّعًا المشاركين من شركتنا في سباق ماراثون عمدت غرفة التجارة إلى تنظيمه بغرض تأمين منح دراسية لبعض الطلاب من العائلات المحتاجة. كان مديري متحمّسًا جدًا وهو يشجّع زملائي التسعة والثلاثين وهم يرفسون أنفاسهم ويشفطونها بين شهيق وزفير ..كنت خائفًا على ذراعه أن تمتد كثيرًا إلى الخارج من شدّة الحماس ..يرفع إبهاميه محفّزًا عامل البوفيه، الذي يحضر الشاي والقهوة ، بينما يقفز مثل غزال برّي في بزّته الأنيقة في حدث رياضي لكبرى الشركات، طلب من السائق أن يسرع ثمّ لمح مراسل الشركة الذي يرسل البريد يوميًا .. لوّح له بيده مع ابتسامة فارهة وصاح قائلًا: أسرع ...أسرع! لم يبق إلّا القليل! ..مررنا من أمام المحاسب والسكرتير ومدقق الحسابات وموظف الموارد البشرية ....مرّت سيارة المدير أمام كل هؤلاء! كانوا جميعًا في كامل أناقتهم...في الواقع كنت أخشى حضور المدير هذه الفعالية ولكن يبدو أنّ الأمر سيمر بسلام دون أيّة مشاكل.. نظرتُ إليه وإلى حماسه الذي أدهشني بالفعل ..لم أتوقّع هذا الثناء على مشاركة زملائي ....انتابني الشك للحظة وتساءلتُ بينما أنا متخفًّ تحت بدلتي الرسمية الأنيقة: هل مديري أعمى أم أبله؟ أم أنّه منتشٍ؟ سقطتْ تساؤلاتي الغريبة في منفضة السجائر الفارهة أيضًا...كان كل شيء في جسدي يحكنّي حكًّا! يهرشني كمصاب بالجرب! باغتتني «إحم» من حلقي ..فرّتْ كمجنونة في شوارع الماراثون تتخبّط بين المتفرجين والمشجعين والمنظمين المتأنقين ..تصطدم بحلاوة المكان حيث تمّ اختيار ضاحية راقية جدًا ...شوارعها واسعة ...تملأ الخضرة جوانبها ...سماؤها صافية ...وهواءها نظيف..لتنظيم الفعالية. فريق شركتنا هو من كان مختلفًا وغير لائق ...اختلاف واضح وبشكل صارخ ..لا أعرف كيف سمحوا لنا بالمشاركة أصلًا....أسند مديري ظهره للوراء وأطلق ضحكات هوجاء تبدو من علامات النجاح والفخر وأغلق نافذته السوداء. لا يعرف أسماء زملائي...لم ينتبه لملابسهم ..لم يميز أحدًا سواي وعامل البوفيه ومراسل البريد ...هو أصلًا لا يعرف شيئًا. أنا نائب المدير المتحكم بكل شيء....كل العقود المجحفة  التي وقّع عليها زملائي طرّزتها بنفسي...أنا ماهر في ذلك! أليس هو من وظفني لدهائي ومكري لدرجة أنه هو نفسه لا يعرف أني لم أنه درجة الليسانس في الإدارة وأنني كنت فقط مجرّد عامل في متجر متواضع ....ما أعجبه في هو عينيّ الزرقاوين ولوني الأبيض ...ولغتي الفارهة...يكفي أن تكون غير محلي لتتقاضى راتب وزير هنا. مديري العزيز وظفّت كل هؤلاء بنصف الامتيازات التي أتوا من أجلها ...تنازل كل هؤلاء الحمقى عن عقود عمل متميزة لمجرّد أن تتاح لهم فرص عمل عادية رغم مؤهلاتهم التي تفوق خبراتك ومستواي الأكاديمي ..جعلتُ كل هؤلاء متساووين في كل شيء ....وأنت لا تعرف حضرتك أيها المدير المحترم النزيه أنني بنيت جدارًا طويلًا عريضًا يجعل معاناتهم في الحياة أكبر. اليوم يا سيدي العظيم يا صاحب النظرة القصيرة أودُّ أن أقول لك: أنا مرتاح جدًا في عملي فأنت لم تنتبه أنّ جميع الموظفين يركضون بزي العمل الرسمي في الماراثون؛ ولكن سأضطر لصرف مبلغ إضافي هذا الشهر من أجل شراء بدلة رسمية وأحذية جديدة لكل واحد من هؤلاء الملاعين المتمردين بدل التي هلكتْ.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش