الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رحلة الإبداع الأدبي ومحطاتها في عقل الأديب 2/2

تم نشره في الخميس 20 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 08:00 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 20 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 09:47 مـساءً
أ.عباس مناصرة

الجمال:
ويكون ذلك بتوظيف البناء الفني والبلاغي وتقنيات النوع الأدبي بناءاً قائما على التناسق والتناسب الجمالي، الذي يتحمل نقل الصدق (الواقعي والشعوري والفني) وتوتراته بطريقة موحية ذكية تراوغ عن المباشرة، وتميل إلى الإيصال والبيان من خلال الخطاب الجميل الممتع الذي يجانب المباشرة ويبتعد عنها.
ج- نقل التوتر من داخل الذات إلى النص :
1. نقل التوتر في فن الشعر :
ويعتمد هذا المقياس على دقة نقل حالة التوتر داخل الجهاز العصبي للمبدع أثناء معايشة التجربة الشعورية، وذلك من خلال رسم حركية هذا التوتر بالقمة والقاع التي تكشف حالاته وتوزيع انسيابه فيما نسميه (موسيقى الشعر)، حيث تتولى الأوزان تسجيل حالة التوتر في صعودها ونزولها ومراوحتها.
ومع الزمن يمكن أن تذهب هذه التجربة الشعورية وتُنسى، ولكن موسيقى الشعر تبقى مخلدة حافظة لذلك التوتر على مر القرون، ويستطيع القارئ أن يستعيد تلك التجربة، وذلك التوتر الذي رافقها، ويتعاطف مع نص الشاعر، رغم تباعد الزمان والمكان بينهما، وذلك بفضل (موسيقى الشعر) التي سجلت هذه التجربة وما رافقها من توترات بدقة وأمانة.
2. نقل التوتر في فنون النثر:
أما في فنون النثر وأنواعه المختلفة ( كالقصة والرواية والمسرحية والخطبة والمقالة وغيرها) فيستعاض عن الأوزان العروضية في الشعر لنقل التوتر، بإيقاع البيئة وميزاتها وأصواتها وروائحها وألوانها، ويستفاد أيضا من اللغة وجرسها وجزالتها أو رقتها وموحيات ألفاظها وتراثها وأمثالها وقصصها ورموزها، وغير ذلك من مفيدات النثر وفنونه، ولكنه إيقاع منقطع موزع متناثر، لا يحكمه التكرار المنضبط المنظم الذي يحكم فن الشعر، وقد مثل أحدهم لهذا الفارق بين الشعر والنثر بقوله (الشعر كالرقص والنثر كالمشي).
د- عامل الثقافة والخبرة في بناء النص:
لا شك أن لتراكم الخبرة والثقافة العميقة والتجارب والمعايشة الممتدة، والتمرس في الحياة والتجريب المستر لهذه الفنون الأثر العظيم في حالة الإبداع والرقي بها، حيث تطوع مشروع الإبداع الفني وتمده بالبدائل التي تساعده على النمو والإتقان بمرونة وإمتاع والنجاح في الوصول إلى البيان المطلوب، وبذلك يشارك الدماغ في صياغة المشروع الأدبي الفني في حالتين هما :
1. الحالة الأولى: عندما يقوم الدماغ باستقبال الحدث الخارجي من خلال الحواس الخمس، وتتم عملية جمع المعلومات ثم استخراج الرؤية الفكرية والحقائق والمفاهيم التي يمثل مسار استقبال المعلومات عن طريق الحواس من الواقع الخارجي إلى مناطق التفكير داخل الدماغ وضمن مناهجه في التحليل والفهم .
ب. الحالة الثانية: أما في هذه الحالة فإن مسار الدماغ ونشاطه يقوم على صياغة النص الذي يتحمل مسؤولية نقل الموقف الشعوري من داخل النفس إلى خارجها، حيث يفرغ هذا الموقف في النص من خلال الصياغة الفنية التي تخرج الموقف من لغة الذات ومشاعرها إلى لغة الخطاب الأدبي التي يفهمها المجتمع.
وهكذا تبرز الظاهرة الأدبية وتظهر في مجموعة من (الفنون الأدبية) المختلفة التي تشبع رغبة الإنسان في البيان عن نفسه (كالشعر والقصة والمسرحية والمقالة والمثل والخطابة) وغيرها.
وعندما نرى أن الأديب قام بالمهمة التي لم نستطع القيام بها، حين أبدع بنقل الموقف المشترك الذي يوحدنا معه كجمهور، عندها تحصل عملية التفاعل والتذوق للأدب، وتتحول الأكثرية إلى جمهور يتمتع بما أنجز هذا المبدع، ويتم ذلك حين يتناسب مقال الأديب (البلاغي والفني والشعوري) مع حال القارئ والمتلقي (كتذوق العاشق) لقصائد الغزل أو قصصه،
أو (تذوق المجاهد) لقصائد الجهاد، أو (تذوق الكبير) في السن لقصائد الحكمة وقصصها، أو (تذوق الغريب) لقصائد الحنين للوطن، وهكذا.
4- محطات الإبداع: تكلمنا عن رحلة الإبداع في عقل الأديب، وهي مرحلة طويلة ممتدة تبدأ منذ طفولة الأديب، وبالنمو المضطرد مع التكوين الثقافي والفني، حتى مراحل النضوج والإبداع المنتجة للنص، ولعل أهم محطات الإبداع التي أشرنا إليها هي المحطات التالية:
أ. محطة الواقع الخارجي: ونعني به الواقع الخارجي ببعديه الظاهر(عالم الشهادة)، والباطن (عالم الغيب) وانعكاساتها على نفس الأديب.
ب. محطة الحواس: وهي المحطة التي تمثل قناة الاتصال بين الذات المبدعة والواقع الخارجي بأصواته وألوانه وأبعاده ومذاقاته وروائحه ومحسوساته ومشموماته والمخلوقات والبيئة وكل ما حوله.
ت. محطة التفكير: وهذه المحطة تقوم باستيعاب معطيات الحواس عن الواقع الخارجي وتقوم بجمع المعلومات الحسية الواردة، وتستخرج منها المفاهيم والحقائق لتكوين الرؤية الفكرية للأديب بأبعادها المختلفة من خلال منهج يجلي الحقيقة الدماغية التي تمهد لطلب قيمة الحقيقة من القلب.
ث. محطة القلب: يقوم القلب باستقبال الحقيقة من الدماغ ليصدر لها ما يسمى بـ (قيمة الحقيقة) الشعورية لدى القلب، وهي عبارة عن موقف شعوري قلبي لحقائق الدماغ يفرزه القلب، ونلاحظ أن كل محطة من هذه المحطات تفضي إلى الأخرى، وتترك آثارها وبصماتها في تلوين عملية الإبداع، وفي المحطات السابقة نجد أن الدماغ يقيم علاقته مع الواقع الخارجي والحواس.
ج. أما في مرحلة بناء النص وميلاده: فإن الدماغ يقيم علاقته وتنسيقه مع قوى الداخل في القلب، ويسخر خيراته تحت تصرفها، لأن الأمر الآن خاص بالقلبية، حتى يخرج النص وهو يحمل في طياته وطبقاته درجات المشاعر المختلفة، والإحساس بالزمان والمكان، وقيمة الحدث والموقف الشعوري وجدوى الحياة في هذه الحالة المعبر عنها، والطموح والأحلام والرغبات والإرادة لإحداث التوازن بين النفس المبدعة والواقع الخارجي في لحظة التفريغ الإبداعي وميلاد النص، والمبدع في هذه اللحظة لا يهمه إلا شئ واحد هو الانسياب السلس والميلاد المكتمل للنص، وهذا معناه أن المبدع لا يهتم بالالتزام في هذه اللحظة، لأنه يعتبر الالتزام يتم في مرحلة متقدمة امتدت من الطفولة وإلى المراحل التربوية طوال حياته، ولكنه منسي وغائب عن ذهنه في مرحلة الخطاب التي يولد فيها النص لأنه منشغل البال في حالة الإبداع التي يعايشها ويعيش تحت وطأتها .
ح. عندما يشعر الأديب باكتمال نصه ويقوم بمراجعته وتحكيكه ويفرج عنه ويسمح له بالنشر والوصول إلى أيدي القراء، وبذلك تبدأ العلاقة بين الأديب (المنتج) والقارئ (المتلقي)، وهي علاقة غير مباشرة، لأن المتلقي في الغالب يتعامل مع النص ولا يتعامل مع صاحبه الذي أنتجه إلا في مناسبات محددة كالندوات والمقابلات.
المهم في الموضوع هو أن المتلقي يتعامل مع النص وطبقاته من جهته التي يطل بها إلى داخل النص فالمبدع يبدأ في علاقته مع النص من الحياة، وينتهي إلى التعبير عنها وعن تجربته من خلال النص، أما من جهة المتلقي فتبدأ العلاقة مع النص من خلال قراءة النص، واكتشافه وتذوقه من خلال اختراق طبقات النص، إلى أن ينتهي إلى الحياة والظروف التي أنتجت النص، وهذا الجدول يكشف لنا الأمر ويوضحه بشكل جلي يبين فائدة المقارنة وجدواها في التمييز بين العلاقتين، علاقة الأديب مع النص، وعلاقة القارئ مع النص:

النص من جهة المبدع،الواقع الحواس،حقائق التفكير، موقف القلب،موهبة بناء النص.
الواقع الذي نتج عنه النص،الحواس،حقائق التفكير،موقف القلب وعواطفه،تحليل النص،النص من جهة المتلقي

لذلك تتم محاكمة النص من خلال خطوات تبدأ بقراءة (الصياغة الجمالية)، و(تحليل النص) ويخترقها لتصل إلى (المشاعر)، من خلال مشاركتها وظهورها في النص، ومنها تنتقل إلى (الرؤية الحسية) التي كونت قاعدة المعلومات، ومنها إلى (الواقع الخارجي) الذي عايشه الأديب، وحرك هذه المجموعة من المتواليات التي تحرك بعضها بعضا، لنرى جهد المبدع في صياغة النص وإبداعه وكل ما سبق يدخل في باب ما يسمى (طبيعة الأدب).
5. وظيفة الأدب (حرية الأديب وحرية المتلقي)، أما وظيفة الأدب والاستفادة منه فهي وظيفة تالية، ويكشفها الناس في الأديب بعد أن يخرج أدبه من ملكيته، ويصبح ملكا لأمته، وعندما يجد الناس في أدبه ما يفيدهم يوظفونه في مناهج التربية والتعليم والإعلام والسياسة والثقافة والفكر والفنون: كالغناء والإنشاد والمسرح والتمثيل والقراءة من النقاد والمتذوقين والعلماء والباحثين).
وهذا يدل على أن المجتمع لا يملك أن يتدخل في حرية الأديب قبل ميلاد النص، وقبل وصوله إليهم، ولكن قد يتأثر الأديب بثقافة مجتمعه، ومنذ طفولته وشبابه ومراحل حياته، فيمتص منها ما ينفعه، وما يقتنع به بحرية تامة في مراحل التكوين الأولى لشخصيته.
وعلينا أن نتذكر أن التأثير متبادل بين المجتمع الأديب، باختيار تام من الطرفين، فهو يتأثر بهم وهم يتأثرون به، وتتم قراءة النص في فترات متباعدة وأزمان مترامية، ومن الأمثلة التاريخية التي تؤكد ما ذهبنا إليه أن وظيفة الأدب يصنعها المجتمع، وهي وظيفة منفصلة عن مراحل الإبداع. ما حدث في تاريخنا الثقافي والنقدي وهي أن العرب اكتشفوا جمال الأدب وتأثيره فوظفوا هذا الجمال في حياتهم ومجالس سمرهم، واستعملوه في تهذيب الأبناء وصقل ترتبيهم حين حرضوا على الاهتمام به وحفظه لما وجدوا فيه من عظيم الفائدة في التهذيب وتعلم الفصاحة وتذوق الجمال وتدريب الملكة اللغوية عند الأبناء.
أما في عصرنا وأيامنا فقد تعمقت علاقة المجتمع مع الأديب، فليس من الضروري أن تكون مقاييس (القارئ أو الجمهور) للأدب هي نفس مقاييس (الأديب المنتج)، فقد يمجد الجمهور الأدبي (القارئ والمستمع والمستمتع والباحث والناقد والعالم والمتعلم والمنشد والمغني والأدباء ومؤسسات المجتمع) القيم والقواسم الثقافية المشتركة مع المبدع، وكثير من الناس يهتم لقيمة الجمال ويتأثر بها، وبقدرة المبدع على الإيصال، ولكنها ليست القيمة الوحيدة في العمل الفني، وقد يمجد القارئ قيمة البطولة والثبات أو الدعوة إلى العدل، وقد يمجد القارئ الصدق والالتزام ومقارنه التجربة بينه وبين المبدع، وقد يهتم هذا القارئ بكشف أغوار النفس أو جدوى الحياة أو الجرأة، وقد يهتم القارئ بشعر الحكمة والوصف والتجارب لأنه يقدر الخبرة وينتفع منها، أو الاهتمام بشعراء الدعوة الإسلامية لما في إنتاجهم من تفاعل مع دين الأمة، والبعض يرى في الشعر والقصة والخطابة والمسرحية وبقية الفنون الأدبية أنها تربي على الفصاحة والرجولة وتنضج الحكمة وتنمي العقل وتصقل الطباع وتهذبها، مما يؤدي إلى صناعة الذوق العام للأمة، فيصنع لها سلوكا عاما في تذوق الجمال وترشيده والرقي به، ومعرفة حدوده مع القبح.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش