الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«ماذا لو».. لخّص بها الملك للعالم حال المنطقة والحلول لأزماتها

تم نشره في السبت 18 كانون الثاني / يناير 2020. 01:00 صباحاً
نيفين عبد الهادي


بعبقرية التشخيص، وجرأة الطرح والثقة بالأفكار، ورؤية ثاقبة مبنية على حقائق وواقع ربما أغمض العالم أعينه عنها، وضع جلالة الملك عبدالله الثاني دول العالم خلال خطابه أمام البرلمان الأوروبي الأسبوع الماضي، بصورة أحداث المنطقة أو كما وصفها جلالته «منطقتي»، مشيرا لجوانب غاية في الأهمية، ومحمّلا الجميع مسؤولياته، ومحذّرا من ملفات إذا ما تركت مفتوحة دون إغلاق حقيقي ستبقى تنزف وتدمي المنطقة والعالم بأسره..
في طرح غير مسبوق، قدّم جلالة الملك قضايا المنطقة والعالم بصيغة وفق جلالته «تمرين افتراضي»، تمرين ليس عبثيا أو نظريا بالمطلق، إنما تمرين غاية في الذكاء وعبقرية الطرح، حمل عنوان «ماذا لو» ليكشف عن تفاصيل مهمة ودقيقة وعملية، سؤال حمل بعدا وجوديا لملفات دقيقة، كشف من خلاله عن حقائق يتغاضى عنها العالم بأسره، وحتما الإجابة عليه سيكون مغلّفا بحلول عملية لكل ما يؤرّق العالم ويقلقه.
جلالة الملك عبدالله الثاني، عندما قال في خطابه أمام البرلمان الأوروبي (وهذا يدعو لطرح عدة أسئلة افتراضية مبنية على سؤال «ماذا لو»)، وأن (هذه الأسئلة ليست مجرد تمرين عبثي أو نظري، خاصة في منطقتي، حيث أسوأ الافتراضات ليست ترفا نظريا، بل هي أقرب ما تكون إلى ملامسة واقعنا في الكثير من الأحيان. كما أن ما يحدث في الشرق الأوسط يترك أثره على كل مكان حول العالم)، لعلّها كلمات بداية توجّه الأنظار الدولية لما سيأتي بعدها، وتؤشّر لنصف الحقيقة ونصف الواقع ونصف الحلول، جاذبة الإنتباه الدولي لقضايا وملفات ينتظرون وصفة جلالته لإكمال نصفها الآخر، ذلك أن أسوأ الافتراضات ليس ترفا نظريا في المنطقة، فكان أن بدأ جلالته بتقديم «قضايا منطقته» بهذه الإشارة المهمة.
ليتحدث بعد ذلك جلالته وفي طرح تمرين «ماذا لو» لما يقارب سبعة ملفات هي الأهم في المنطقة، وفي منح السؤال هذه الصيغة التي اختارها جلالة الملك، حتما حلول عملية، تبعد العالم عن ازماته، حيث بدأ جلالته بما وصفه «بأعمق جرح في منطقتنا» القضية الفلسطينية، متسائلا (ماذا لو تخلى العالم عن حل الدولتين لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟)، في تأكيد من جلالته على أنه (لا يمكن الوصول إلى عالم أكثر سلاما دون شرق أوسط مستقر. والاستقرار في الشرق الأوسط غير ممكن دون سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين)، ليكمل جلالته حقيقة بدأها السؤال بجواب عملي واقعي ينقل العالم كافة لمنطقة السلام الحقيقي.
وفي بلاغة الكلمة، والعمق السياسي، والإنساني وحتى العاطفي، جاء سؤال جلالته عن القدس (ماذا لو بقيت القدس، المدينة العزيزة على قلبي شخصيا وذات الأهمية التاريخية الكبيرة لعائلتي، موضع نزاع؟ هل يمكننا تحمل عواقب سلب المسلمين والمسيحيين على حد سواء من الروحانية والسلام والعيش المشترك التي ترمز إليها هذه المدينة، والسماح لها بدلا من ذلك بالانحدار إلى صراع سياسي؟) كلمات متكاملة سؤال يقدّم حقيقة جريئة وواقعية تلزم العالم بواجبه للمدينة المقدّسة، ذلك أن أحدا لن يتحمل عواقب سلب هذه المدينة رمزيتها بكونها مدينة السلام، والعيش المشترك.
وتناول خطاب جلالته قضايا المنطقة، بكل وضوح، حيث تحدث جلالته عن المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، بسؤال «ماذا لو، في المرة القادمة، لم يبتعد أي من الجانبين عن حافة الهاوية، متسببا بانزلاقنا جميعا نحو فوضى لا توصف، نحو حرب شاملة تهدد استقرار المنطقة بأسرها، وتهدد بإحداث اضطرابات هائلة في الاقتصاد العالمي بأكمله، بما في ذلك الأسواق، وتهدد بعودة الإرهاب إلى الظهور في جميع أنحاء العالم؟»، وفي الشأن العراقي «ماذا لو فشل العراق في تحقيق تطلعات شعبه والاستثمار في إمكانياته، وانزلق مرة أخرى إلى حلقة مفرغة من سبعة عشر عاما من الانتعاش ثم الانتكاس، أو إلى ما هو أسوأ من ذلك، إلى حالة الصراع؟»، وفي الشأن السوري «وماذا لو بقيت سوريا رهينة للصراعات بين القوى العالمية وانزلقت مرة أخرى إلى الصراع الأهلي؟ ماذا لو شهدنا عودة لداعش، وأصبحت سوريا نقطة انطلاق لهجمات ضد بقية العالم؟»، وعن ليبيا «ماذا لو انهارت ليبيا باتجاه حرب شاملة، لتصبح في النهاية دولة فاشلة؟ ماذا لو أصبحت ليبيا سوريا جديدة، ولكنها هذه المرة أقرب إلى قارتكم؟»..
وفي إشارة لملف مهم، على العالم كافة التنبّه له، وضرورة جعله رأس هرم الإهتمام لكل حكومات العالم، تحدث جلالته عن الشباب، متسائلا (ماذا لو فشلت الحكومات العربية في توفير أكثر من 60 مليون وظيفة سيحتاجها شبابنا خلال العقد القادم؟ وإذا فشلنا، ألن نكون قد هيأنا في الواقع البيئة المثالية للجماعات المتطرفة؟ فنحن نسهل عليهم عملية التجنيد والاستقطاب إن خلفنا وراءنا الضعف واليأس)، جلالته جعل العالم يواجه حقائق تدور في فلك المنطقة والعالم دون أي ادراك بخطورتها واهميتها عندما تساءل (هل نملك ترف ترك شباب المنطقة يعيشون بلا أمل؟)، هي سابقة ليس فقط في الطرح وتوجيه نظر العالم للمنطقة وقضاياها، إنما هي وصفة سياسية نادرة ونموذجية للعالم بأسره، بالقيام بمسؤولياته، والتبنّه لأخطار المرحلة، مع تقديم الحلول لكل ما من شأنه أن يزيد من تعقيدات المرحلة ويبقي العالم على فوّهة بركان يمكن ان ينفجر بأي لحظة..
رسائل جلالته في الخطاب، والدلالات التي قدّمها، لا تبالغ إن أكدنا أنها يمكن ان تكون منهاجا يدرّس في مدارس السياسية كافة، ونهج عمل للعالم وصولا لما يسعى له الجميع، يجب أن يلتقط الجميع طرح جلالته، ويؤسس عليه (حتى نتمكن معا من الوصول إلى المستقبل الذي تطمح له وتستحقه شعوبنا ويستحقه عالمنا بأكمله).

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش