الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

غـاقْ ..غاقْ.. نَقْــرَةُ غُــراب

تم نشره في الجمعة 24 كانون الثاني / يناير 2020. 01:00 صباحاً
قصة: نايف النوايسة

بضع دقائق مرّت ولم تخرجْ..
ماذا هنالك، لقد أبطأتْ على الممر هذا اليوم..؟!
  ليس من عادتها أن تُخليه كل هذه المدة..!!
وكأني به مذهولا وقلقا من غيابها المفاجئ.. ينتظرها كما عودته ويفتح ذراعيه كلما اهتز الباب لكنه، ما زال ينتظر..
   صمت مريب أطبق على المكان في هذه الساعة الحرجة، كتلك التي تسبق نهاية العالم بثوانٍ.. نافذة المطبخ تتيح لي فرصة التسلل من سجني الاختياري والتطواف بعيداً عن سلطة السجان.. اقتربت من النافذة وأدليت رأسي بحذر شديد.. لا أحد هناك.. أسئلة كثيرة تنفجر بين يديّ.. شغّلتُ حواسي كلها، لكن الهدوء الذي لم يألفه الممر يُلقي بكفيه على كتف الضحى.. أنا ما عدت أحبها منذ أفصحت عن عداوتها لي ذات مساء.. لكنني أدمنت جلبتها في الممر وبربرتها علي.
****
على ساعتي، دقيقة واحدة وانفتحتْ البوابة الحديدية..
وما أدراك ما هذه البوابة التي تصفع عيني صباحاً ومساء بوجهها المقشّر القبيح وأطرافها المهترئة..!
تخرج السيدة البدينة إلى الممر الذي كلح وجهه واهترأ بلاطه وكساه التراب وأوراق الشجر حتى بدا وكأنه أثر دارس محذوف  من بلاد هود أو ما تلاها من قرى بائدة.. السيدةُ بجسمها الذي جلله السواد ـــ وكأنها غراب ـــ مشهدٌ غريب أفسد يناعةَ الضحى وأودى بجماله.. لم أعهد منها هذا الظهور الاستثنائي من قبل  فخفقّ قلبي بشدة خوفاً من عواقب هذا التغير اللافت.. عيناها المكحلتان تجوسان المكان كعيني بومة متربصة.. تمشي بحذرٍ شديد حتى لا يشعر بها أحد، وبين فينة وأخرى ترفع بصرها نحو نافذة المطبخ لأنها تظن بأنني أراقبها منها.. حرب ضروس بيننا لا تعرف الهدنة ولا التوقف..
  كنت ملتصقة بجانب النافذة بحيث أراها ولا تراني.. لقد تعلمت منها مع مرور الزمن فن التخَفّي وأروغ عن ناظريها كما يروغ الثعلب،وفي اللحظة المناسبة ووجدت أن هذا ما يقهرها.. بدا عليها سمت مهيب رغم لفتاتها القلقة التي كانت تدحرج بها نهارها على عجلة الذهاب والإياب..
   توقفت تحت النافذة وأصاخت السمع.. تكاد أذناها تستطيلان حتى تصلاني.. ولأنها لم تسمع شيئاً أطلقت لسانها ببربرة لا أفهم منها شيئاً لكنني أعلاف بأنني أنا المقصودة.. لا يهم، فقد تعودت على هذه الهجمات اليومية منذ تزوجت،وما يهمني الآن هو أن أعرف مايحمل هذا اليوم من مفاجأة..
****
   غاق.. غاق.. غاق.. تملأ السماء.. السماء مجللة بالسواد..رائحة الرهبة تجلل وجه الأشياء.. كل شيء تقع عيني عليه مُلفع بالأساطير والخوف والموت ونهاية الكون.
   رفعترأسي لأتبين الأمر.. تتركز ال(غاق) على الزاوية القبلية من بيت الجيران.. اقشعر بدني من جديد، وجذب مغناطيس الخوف شعري ليلامس سقف المطبخ.. رأس الغراب يبحث في كل الجهات و(غاقه) رسالة شر.. توقفت السيدة خائفة وسط الممر ونقّلت عينيها بين النافذة والغراب.. امتزج خوفها برعبٍ ظاهر فتراجعت إلى الباب وراحت تضربه  لتخيف الغراب..الغراب كونٌ غامض وينطوي على شيء ما.. يهيج ويشتد نعيقه.
****
  غاق.. غاق.. رسالة غامضة.
تشدُّني حبال الرغبة لمعرفة ما وراءها.. عيناي كوكبان درّيّان مستلقيان على كتف الانتظار.. ترحلان على وتر مشدود ما بين الزاوية التي احتلها الغراب والممر الكابي الذي يتصبب قلقاً تحت أقدام السيدة.. غاق.. غاق، منبهٌ أسودُ يهوي بك إلى قاع غائر في مغارات القلب فيتبعثر منه ما كَمَن من اتزان ويُرسلها مع ريح الرعب شوكاً أو رماداً .. غاااااااق إعلان صارخ بأن مصيبة ما ستحل على الحارة.
   سيارة سوداء قادمة من بعيد.. الغراب يصفّق جناحيه بقوة ويرافق السيارة التي توقفت عند فم الممر الخارجي.. يترجل منها رجل فارع الطول ويلبس ملابس سوداء غريبة، ويتجه صوب السيدة المنتظرة، ويجلسان على جدار هابط أحاط بالممر.. تشتد حمى ال(غاق) وتلتف حول الشجرة التي ظللت الرجل والسيدة.. استنفرتُ كل حواسي ووقفتُ على رؤوس أصابعي لأرى ما يدور تحت النافذة..
****
  صوت ما من خلفي يُحيل المطبخ إلى بركان فُتحت فوهاته: داهية دهياء تضرب وجه المحبة.. ارتعبت وتراخت كل مفاصلي وصبيب من العرق يجتاحني .. بعفوية التفت إلى الخلف.. لا أحد هناك.. الخوف يجسّم الشكوك ويصنع الأسطورة من رحم العجز.. غاق غاق نذير شؤم أم مفتاح نهار جديد.. لا أحد في المطبخ سواي.. أصبحت مسرحاً يعج بضجيج لا تُدرك شخوصَه الأبصار.. أفكار متصارعة لا ينتهي إلى قرار.. وتحت النافذة زوبعة يُعربد ماردُها بلا حافظ، ووصلني غبارُها من قمقم(غاق.. غاق).. الكلمات الصاعدة إلى أذنيّ تعقد لساني..
   الصوت من الخلف: هناك بعد الطوفان بعض الغُثاء وهذا الغراب يدل عليه.. التفتُ من جديد.. لا أحد.. هل جُننتُ؟ رأسي تتفجر من أسياد اللحظة وأمواج الخفاء.. من يُخلصني من هذا الاجتياح الداهم؟ ليت هذه النافذة ما كانت..
****
غاق..غاق.. الغراب يترك الزاوية ويقترب من السيدة والرجل.. يطردانه مراراً.. يُرسل(غاقات) طويلة على مُرسَلات السماء فتحملها إلى كل فضاء.. ليست هناك زوايا محايدة الآن.. الغاقات سهامٌ تطيح بالصمت.. الكل ينتظر اللحظة المواتية..
   يفتح الرجل حقيبته السوداء رغم مضايقة الغراب لهما.. يريد أن ينتهي بسرعة.. يقول للسيدة: هذه ريشة غراب احرقيها واضيفي الرماد إلى الكيس.. يقترب الغراب أكثر وهو يُطلق(غاقاته) بصوت عالٍ.. غيمة من الغربان تفجّ صفاء السماء وتدنو من الشجرة فتطغى اصواتها على همس الرجل.. وقبل أن تستلم السيدة الكيس قالت بصوت عالٍ وهي ترتعش من الخوف: وماذا في الكيس؟ قال الرجل بأعلى صوته لتسمعه: زغلول غراب ميت وورقة مكتوبة من الأسياد.. واحرصي على دفن الكيس في أصل هذه الشجرة، وبعد يوم ونصف سيعود لك ابنك.. صوتاهما يصلان بوضوح للنافذة..
****
   فرحت السيدة حين أخذت الكيس والريشة، ورمقت نافذتي بنظرة متوعدة.. حاولتِ العودة إلى بيتها لكن الغربان حالت بينها وبين الباب.. عيونها ألسنة لهب.. وأجنحتها إعصار مدمر..الرجل يركب سيارته ويهرب مبتعداً، ولحقت به مجموعة كبيرة من الغربان.. احتارت السيدة في ما تنوي عمله.. يتقدم الغراب الأول منها ويسلّط نظراته الصارمة على وجهها المدوّر وينقرها نقرة واحدة في جبهتها ويلتقط الكيسبمخالبه ويطير مبتعداً.. الشجرة عناقيد من الغربان.. تقترب من الغراب  الأول وتحمله في موكب جنائزي مهيب وتبدأ بالمغادرة وهي تملأ الفضاء بسمفونية(غاق.. غاق) الحزينة.
****
  لم أدرٍ أن زوجي كان خلفي حين داهمني نغيق الغربان، قال هامساً: لقد سمعت كل شيء.. ورأيت ما حصل. قلت له: وهل تيقنت الآن؟ هزّ رأسه وقال متألماً: إذاً هو السحر، لا مقام لنا في  هذه الحارة الملعونة؟! قلت: وإلى أين المسير؟ قال وهو يحلّق ببصره إلى البعيد: إلى حيث تبني الشمس حلمها اللذيذ في قلوب الطيبين، سنرحل مع الصبح إذا تنفس، وليس الصبح ببعيد.. قلت: لنرى أولاً ما أصاب الأرض اليباب من هجمة الغراب؟ هيا أنزل لترى ما حلّ بأمك.. ونزل..
****
      كانت السيدة ملقاة على الأرض وجبهتها تنزّ دماً.. اقترب ابنها منها.. كان الجو صافياً والشمس تغسل الممر بأشعتها الودودة.. وقال لأمه: لقد غادرت الغربان هيّا بنا إلى الداخل.. فتحتْ عينيها الممرغتان بغبار الممر وأرادت أن تقول شيئاً لكنها مالت بجسمها المرتجف على صدر ابنها، وتنهدت باكية وهي مستسلمة له،   وأجلسها على سريرها وقال بحزم: بعد كل ما حصل سأرحل بعيداً عن هذه الحارة.. سنرحل.
****
    خطوات زوجي على الدرج تباشير ولادة جديدة.. فرح قادم.. التقينا من جديد عند باب الشقة.. كان صامتاً.. أشفقت عليه من هول الصدمة.. جذبني إليه وقبّل جبيني وقال: أنا وحيد والديّ وعليّ أن أحبهما بطريقة جديدة دون أن أخسرك.. الغراب علمني كيف أبحث في داخلي عن حل..
   هيّا بنا لنعدّ العدة للرحيل.. والصبح بات قريباً..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش