الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

..في حقل الصبار

تم نشره في الجمعة 24 كانون الثاني / يناير 2020. 01:00 صباحاً


ليلى جاسر سلامة
 في إحدى القرى النائية كالعادة في مناطق الجنوب حيث لا يتعدّى عدد منازل القرية ربع المساحة الشاسعة والممتدة لمزارع المانجا والنخيل في الطرف المقابل، كان يوجد حمار ينهق طوال الليل ويمتزج مع صوته دربكة بسببها تهتز أطراف منزل صاحبه. الطبيعة في ذلك المكان النائي لها أذنان وأفواه وعيون كثيرة، ولولا ذلك الحمار وإصراره على الدربكة في حقل الصبّار كأنه خيل الباشا لكان من الممكن أن ترى لوحة زاهدة للقرية. الهواء نقي جدًا، ورشاقة الريح وخفتها تجعلُ من الصعب على أي لص التسلل بمثل رشاقتها، السماء مرقطة بلآلئ ومزينة بشهب متطايرة فوق رأس القرية. كل شيء صامت؛ الحياة تمضي بهدوء إلّا الحمار.
استطاع صاحبه أن يعيش فلّاحًا مع درجة الامتياز، أراضي القرية شاهدة على ذلك والمواسم أيضًا. لم يسترح يومًا دون أن يّقلّب التربة ويسعل من رائحة الأرض الرطبة. اعتاد السير إلى عمله بجانب حماره وكأنهما رفيقين في نزهة حتى تفتّتا مشطا قدميه ولم يعد قادرًا على المشي فسقط طريح الفراش. عاش الحمار طوال تلك السنين كائنًا صامتًا إلى أن سقط صاحبه الذي تحول إلى جسد صامت وفم لا يكف عن الأنين طوال الليل. وعند نافذة حجرة الفلاح التي تطل على حقل الصبار، ورغم وخز الأشواك اللاسعة ظلّ الحمار يدربك بحوافره المدماة وأخذه النهاق عسى أن يفيق الفلاح.
قرر أهل القرية أنّه لا بد أن يصمت ذلك الحمار. وفي ليلة ساكنة مليئة بالنجوم والنواح والأنين صمتت القرية، إلّا من أنين الفلاح. كان الباشا يسخر من علاقة الفلّاح بحماره، إذ أن من المنطق أن يركبه لا أن يرافقه في نزهة. زحف الفلاح شادًّا جسده على أشواك الصبّار الجافة المتناثرة أمام منزله، وصل إلى عتبة مكتب الباشا، أشهر لسانه في وجهه منذرًا: أرجع لي حماري وإلا سأفتت عظامك! اعترت وجه الباشا مسحات من الرعب والاستغراب ونظر إلى الفلاح العاجز يفتش عن أصل تلك الإرادة. أشاح بنظره وقاله له: كفاكَ نهيقًا! ردّ عليه الفلاح وأنينه يمزق الكلمات: أعدْ لي حماري في موكب!
عجز الباشا أمام جنون الفلاح وأنينه، فأمر بإحضار وجهاء القرية للتشاور والتباحث في طلبه اللامعقول. اجتمع الوجهاء وألمّتْ بهم الدهشة التي لم يعتادوا عليها، اعتقدوا أن في الأمر سخرية أو مزحة إلّا أن الباشا أكدّ جديته بشكل مطلق. وبعد التشاور قرّر القائم مقام بإرسال مجموعة من الشبّان للبحث في القرى المجاورة وأمرهم بعدم العودة دون مرافقة حمار الفلاح. استنفرت القرية، وبقي الفلاح مترقبًا عودة رفيق النزهات، تلك النزهات التي كانت بربرة وتمتمة عن البطاطس والطماطم وسلال الخوخ والحشائش وآلة الحرث والثمار والآفات، وبرد الشتاء وحر الصيف، وقطرات الندى اللاسعة على أوراق النبات المصقولة في الصباحات الباكرة. تلك الحوارات أحادية الأطراف، صوت واحد كان يبربر ويثرثر والحمار ظلٌ أخرس ينصت بأذان صاغية دون أن يعترض أو يبدي أية مداخلات. مذهل ذلك الحمار بالنسبة للفلاح، أمّا بالنسبة لأهل القرية فكان مصدرًا للقلق والأرق. كان الفلاح عازمًا على حرق القرية بأكملها إن لم يرجع حماره، ولا لائمة عليه، فالناس أشاعوا بأنّه مجنون، ومن ثم فلا حساب ولا عقاب يطاله. كان رجلًا بحاله، يعمل كما يعمل حماره، لا ينظر يمنة أو يسرة، نظره مشدود للأمام، لا يتكلّم مع أحد يمشي على قدمين، فالحمار والطبيعة وما حوله من صوامت كانوا أعز رفاقه.
طالت عودة الحمار فيما كان جسد الفلاح يتآكل من الأنين وطول الجلوس أو الاستلقاء أمام مدخل القرية أو عند عتبة مكتب الباشا حيثُ يرمقه المارّة بنظرات الشفقة والاستعلاء التي يصاحبها حالة من التوتر. مرّت الليالي الساكنة بحذر شديد يرافقه لمسات الأنين المتقطع، شهر وشهران ولم يعد الشبان من رحلة البحث عن الحمار، اشتدت أزمة الفلاح الصحية وصار أنينه عويلًا متدرجًّا مع إيقاع الرياح التي تطبطب على كتفيه.
وفي صباح يوم من أيام تلك الأشهر الطويلة وصل الشبّان يزفون الحمار في موكب رفيع المستوى حسب طلب الفلاح لقاء ما فعلوه به. فرح الباشا بالعودة المحمودة، وأُشيع الخبر في أنحاء القرية والقرى المجاورة.
عند وصوله المبارك قفز من العربة رغم هرمه قفزة شرهة للسعادة ودرْبَك مثل خيل الباشا نحو منزل الفلاح، وخلفه أهل القرية يهللون ويهتفون بعودته سالمًا والنساء تُلعلِعُ بالزغاريد. انتهى العرس ولم يخرج الفلاح لاستقبال حماره، لم يكن ثمّة شهيق بل فراغ يُدغدغه الغبار. أطلّ الحمار برأسه من النافذة، لم ينحرف مسافة ذرّة ، يغربلُ المكان بعينيه بشكل لولبي،..دربك في دائرة ينطح حقل الصبّار وأشواكه المسنونة.

[email protected]

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش