الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لوحات التشكيلي الأردني هاني الحوراني ...استثمار الجمال بعين الذاكرة والمخيال

تم نشره في الأحد 26 كانون الثاني / يناير 2020. 01:00 صباحاً

عمّان-خالد سامح

«فاكهة الجنة» عنوان مثير وغزير الايحاءات لمعرض الفنان التشكيلي الأردني هاني الحوراني الأخير، والذي أختتم قبل أيام بعد أن استمر لشهر في جاليري «رؤى 32 « للفنون بأم أذينة ، اذ يعرض الجاليري على مدار العام أعمالا وتجارب ابداعية مختلفة في الفنون البصرية لعرب وأجانب فيها الرسم والنحت والخزف وتصميم المجوهرات، إضافة الى مايتبع تلك المعارض من ندوات ومحاضرات نقدية.

طبيعة صامته ..وموحية!
وقد ضم معرض «فاكهة الجنة» أكثر من عشرين عملاً فنياً تمحورت حول ثمرة الرمان، كانت جميعها منفذة بألوان الاكريليك مواد اخرى على قماش . وقد أتخذت الاعمال التي ترواحت ما بين الاحجام الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، الشكلين المربع والدائري .
خلال تقديمه لمعرضه نوه صاحب المعرض الى أسباب احتفائه بثمرة الرمان ،ولماذا تحولت الى موضوع محوري لأعماله خلال السنوات الأخيرة ، فقال ان ثمرة الرمان كانت مبعثا حيث كان إهتمامه كمصور فوتوغرافي ورسام منذ اكثر من عقدين، حيث كان يقوم بتصويرها في كافة مراحلها، منذ بداية تكونها كزهرة مروراً بتحولها الى براعم ذات تويجات مزهرة وصولا، الى مراحل نضوجها.
وهو لذلك كان، ولا يزال، يزور مزارع الرمان عدة مرات خلال مواسم نمو الرمان . هذا فضلاً عن شغفة بتصوير عربات بيع الرمان على الطرقات الخارجية، ما بين عمان و جرش، حيث يتفنن الباعة في تنسيق صفوف الرمان على شكل أرتال متراصفة، تلفت الأنظار من بعيد وهي تتوهج تحت أشعة الشمس .
وأضاف أن باعة الرمان على طريق جرش هم الملهمون الحقيقيون للعديد من لوحاته في المعرض، حيث تتكرر أعماله التي تظهر «حشود الرمان» ، كما لو كانت حشوداً لجماهير ثائرة او محتفية بانتصار ما.
وحول تحول الرمان الى موضوعات للوحاته التي حملت اسم «طبيعية صامتة» ، قال حوراني إن الرمان كثمرة مميزة في بلدان الشرق الأوسط وأسيا شكلت فرصة له لتكوين صيغة عربية من لوحة « الطبيعة الصامتة « التي خرجت أصلاً من أوروبا و كانت نتاجاً للحضارة الغربية، حيث حاول الجمع مابين ثمرة الرمان وأعمال الخزف التي تعود للخزاف الراحل محمود طه، مع خلفيات للوحات فنانين عرب، او لمنسوجات شرقية، لتأليف تشكيلات جديدة، عربية الطابع للوحة» الطبيعة الصامتة «.
رمزية عميقة
ويكتب الفنان هاني الحوراني:
لا تحتاج أعمالي عن الرمان الى تفسير أو تبرير. فما من فاكهة حظيت بهذا القدر من التبجيل والتقدير مثل الرمان. وما من فاكهة حملت ذلك القدر من الرمزية، فالرمان أُعتبر رمزاً للخصوبة والازدهار والطموح في الحضارات المصرية واليونانية والعبرية القديمة والفارسية والهندية والصينية وغيرها. والأهم من ذلك أن الرمان لا زال يتمتع بهذه الرمزية والمعاني الجميلة في حياة العديد من الشعوب و يندرج في صلب تقاليدها وطقوسها حتى اليوم.
فطقوس الزواج واقتناء البيوت الجديدة تقترن بممارسات خاصة بالرمان عند اليونايين المعاصرين، وبالمثل فإن الأرمن والأذربيجانيين والإيرانيين وغيرهم من شعوب الشرق لا يزالون يربطون بين الرمان وعود الخصب والحب والبركة. وهي ثمرة تدخل في طعامهم وتقاليدهم اليومية أكثر من أي ثمرة أو فاكهة أخرى.
أما بالنسبة لنا، نحن العرب، ولا سيما المسلمين منا، فقد ذكر الرمان ثلاث مرات في القرآن الكريم، ووصف باعتباره إحدى ثمار الجنة.
لقد قادني الى رسم هذه الثمرة النبيلة عامل رئيسي هو جمالها، بل تفردها بسمات جمالية استثنائية تجعل منها ملكة الفواكة. وهي ثمرة جميلة في مختلف فصولها وأوقات نموها ... منذ تفتحها كزهرة تتموضع ما بين أوراق خضراء طويلة ورشيقة الى مرحلة نموها الأولى كثمرة حيث تحتفظ ببعض أوراقها الحمراء، وصولاً الى اكتمال نموها بظهور تاجها المميز وتعدد ألوانها ما بين الحمرة النبيذية الى الصفرة والخضرة وما بينهما من درجات لونية.
ومع أن الرمان كان دائم الحضور في حياتي، مثل بقية أبناء هذه المنطقة، إلا أن الانبهار بجمالية الرمان سواء كثمرة منفردة، أو حين تكون جزءاً من جموع الرمان على عربات الباعة، في صفوف مرصوصة، و تشكل ما يشبه الهرم، أقول إن انبهاري بجمالية الرمان يعود الفضل فيه الى الباعة على طريق جرش/عمان، الذين يرصعون عرباتهم بهذه الثمرة، كما لو كانت حُلى طبيعية، وهكذا بدأت أصور هذه الثمرة البهية موسماً بعد موسم وسنة بعد أخرى، تارة وهي زهور تتشكل وثمار صغيرة على أغصانها، وتارة أخرى وهي تصطف على أرفف عربات الخضار في طريق عمان – جرش، وتارة ثالثة حين تستقر، بين مفردات أخرى كملكة متوجة على موائد «الطبيعة الصامتة».
وكأنها «حشود بشرية»
بين جمالية ثمرة الرمان الاستثنائية وبين رمزيتها الثرية بالمقاصد والمعاني، تدور أعمال الحوراني أنها تحاول التقاط بعض جوانب عظمة هذه الثمرة. وهو يقول في ذلك:
لقد بدأت أعمل على لوحاتي المبكرة عن الرمان في زمن «الربيع العربي»، حيث كانت مشاهد الحشود اللانهائية تطفو على شاشات التلفاز والصفحات الأولى من الصحف اليومية.... حينها ظهرت لوحاتي الأولى عن «حشود» الرمان وصفوفها المرصوصة واللانهائية. فهل هي مصادفة أم أنها إسقاطات اللاوعي. في تلك الأعمال، لاتشبه ثمرة الرمان ثمرة أخرى مجاورة لها، كما هو حال الناس الذين نزلوا للشوارع والساحات العامة. فكل واحد منهم كان يمثل كياناً قائماً بذاته، له تاريخ وحياة وقسمات مميزة، لكنه أيضاً جزء من تلك الجموع الثائرة.
وهل هي أيضاً مصادفة أن أعود للرمان، بعد زمن «الربيع العربي» لأصّورهُ في حالات فردية، أو على شكل مجموعة قليلة من «الحبات»، التي أصاب بعضها الجفاف، أو باتت جزءاً من مشهد صامت؟!

مساحة لاستثمار الجمال
ويقول الناقد الأردني غسان مفاضلة عن أعمال الحوراني:
وعِبر سلسلة من الاتصالات والانقطاعات بين الرسم والتصوير، وعِبر المسافة التي تفصل بين ما تراهُ العين، و ما هو مستقرٌ في الذاكرة، يشرع الحوراني بتشكيل تلك العجينة التي تستحيل معها لوحته، حتى بطابعها الاختزالي، إلى جملة بصرية مفتوحة على مرئيات الواقع من دون أن تتماثل معها؛ فلوحته، وفق المعطيات التي حملتها معارضه الآنفة الذكر، ليست سوى الواقع مرئيا بعين الذاكرة والمخيال.
وإن كان ثمة تباينات بين لوحات تلك المعارض، فإن مردّها لا يعود إلى التباين في مستويات التقنية، أو في طرائق التكوين، وسمات التعبير، بقدر ما يعود إلى الشكل الذي تتمظْهُر به موضوعات لوحاته في الواقع والفن على السواء؛ بمعنى آخر، يعود التباين بين تلك اللوحات، إلى بنية موضوعاتها، وهيئتها، وتشكّلاتها التي تُفضي إلى الكيفية التي تنتظم بها، بمحمولاتها الرمزية والتعبيرية، على سطح التصوير.
وليس الرمان الذي يواصل معه الحوراني تجربته في اختزال المسافة بين الفوتوغراف والتشكيل، سوى مساحةً أخرى من مساحات «استثمار» الجمال في الطبيعة، ليس من أجل تثبيته وتأكيده في لوحته، فقط، وإنما ليكون أيضاً، شاهداً على مجريات الحياة، ومعتركات الواقع المعيش.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش