الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عصفور بليغ

تم نشره في الثلاثاء 18 شباط / فبراير 2020. 01:00 صباحاً
غيداء عبيدات

30 دقيقة
أمسكت بحفنة من التراب، ورمقته بنظرة جافة، ثم رفعته وقذفته ليتنجم في سماء الخريف الليلية.
تمعنت في قدميها اليابسة المرهقة حتى ضاقت رقبتها، جلست على الأرض و رفعت عيناها إلى السماء.
سمعت حركة خفيفة بجانبها، التفت لتجد عصفورا صغيرا يرفرف جناحيه و يسبح في التراب محاولا الطياران، لكن الأرض تشبثت به غير مفلتة زنازينها عن ساقيه الصغيرة.
حاولت الفتاة أن تقترب برويّة صوب الطائر المهجور، لكنه ذعر لحظة اكتشافها بجانبه ظانا بأنها حيوان مفترس جاء ليلقيه حتفه. تجمدت الفتاة في محلها، آملة أن تهدئ هذا الطائر المسكين الذي بدا قلبه كأنه سيقفز من قفصه الصدري في أي لحظة.
 ساعة و 14 دقيقة
وجدت الفتاة نفسها تغني للطائر تهويدة هادئة، اعتادت أن تغنيها لها أنها حين كان يصعب النوم عليها في الليالي العاصفية
«يلا تنام، يلا تنم. . . ليطلعك طير الحمام...»
انتظرت مجيئه طويلا. أدارت عصا في التراب، و راقبت محاولات العصفور البائسة في الطيران، وتمعنت في الأضواء البعيدة و هي تنطفئ في منزل تلو للآخر، و الصراصير المختبئة في الأشجار تنادي، و أخذت تدعو الله حتى جعل النعاس يثقل أجفانها.
 ساعتان و 5 دقائق
«ليش ما اجا لهلأ؟ معقول ضايع ؟ طيب بلكي أنا ناسية متى الموعد... بس الفجر بدو يطلع» رفضت بأن تلومه. على الأغلب مشغول، أو تائه في الطريق، أو ممكن تعرض لحادث سيارة! لا، لا، ان شاء الله لم يصبه شر. لم تقوى على تخيل أذى يصيبه، يقشعر بدنها و تندى أجفانها.. بالرغم من أنها ليست
أول مرة يهمل فيها وعوده، و لا الأولى التي تشعر فيها بأنها غير مهمة بالنسبة اليه، و لا الأولى التي ضحت بوقتها
و مهماتها الضرورية من أجله، ولا حتى الأولى التي تخاطر فيها بثقة أبويها بها، و لا، و لا، و لا.
راح انتباهها للطائر المسكين ووجدته قد استقر نائما في زاوية تحت شجرة. أكان سيستفيد الطائر لو قامت بمساعدته أم أنه كان سيعتمد على غير أجنحته في الطيران؟ من المستحيل لهذا الطائر أن يفقد نزعته الفطرية للنجاة، مما كان بالضرورة يعني أنه سيعود مثابرا في محاولاته غدا، وأن كانت فاشلة سيظل ينازع
باصرار حتى تتحقق احدى نتيجتين: اما ينجح و يحلق في السماء الذي يشتاق لها، واما يمرض جسده الضعيف من الارهاق و ينطرح على الأرض شهيدا لأحلامه. لكن ان ساعدته هي لم يكن سيستطع الأمال
بنفسه نصف أي الطريقين، لأن طيرانه بشكل ما يكون قد أصبح طيرانها. لهذا السبب، و ليس لخوفه منها، لم يسمح لها الطائر بالاقتراب منه. لحظتها فقط أدركت أنه سمح لها بأن تسانده بغنائها.
ساعتان و 3 دقائق
قامت الفتاة، و شكرت العصفور، و لم تر الشاب بعدها قط.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش