الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الاغتراب في «خيوط دخان» للأديبة نعمات العزة

تم نشره في الجمعة 21 شباط / فبراير 2020. 01:00 صباحاً

فوزي الخطبا
صدر حديثا للاديبة نعمات العزة كتاب بعنوان خيوط دخان الذي يقع في مائة واربعين صفحه من الحجم المتوسط ويضم اربعة وعشرين خاطرة ونص ادبي تحت العناوين التالية (ضياع/ خربشات مساء/ عبادة/ طيف من الماضي/ خيوط دخان/ ملامح السراب/ العشق الأول/ بكاء شهيد/ الربيع العربي/ رقصة الشيطان/ لعبة الاقدار/ اغتراب/ وطن/ ارواح مسافرة/ دمعات لم تسقط/ ايها الحب/ أطوي الزمان/ حالة هيام/ من يعلق الجرس/ انتفاضة الماء والملح/ اغنية الطيور/ ذكرى/ هنا كنا/ محتويات الديوان) ومقدمة وخاتمة.
وكتب مقدمتها الشاعر المصري محمد وجيه عضو اتحاد كتاب مصر.
المتمعن في خواطر الأديبة نعمات العزة  النثرية التي حملت  عنوان «خيوط دخان» يجد ان الاغتراب ثيمة أو مهيمنة، تجمع هذه الخواطر، فهي تكشف عن صراع الإنسان مع ذاته ومع محيطه مثلما تكشف عن إعادة إنتاج المفاهيم والقناعات في إطار التمسك بالحياة العلوية والتسامي الروحي من خلال الكشف عن زيف الواقع وتعريته ونبذ الصور الموهومة والمتخيلة كلما تقاطعت مع الصورة المثال أو الصورة الأم، وهو ما يسم التأملات بالحزن الذي يتسلل كنتيجة للوعي، وهو ما يتفق مع رؤية فرويد للاغتراب حين رآه : (شعور الانفصام والصراع بين قوى اللاوعي الدفينة في الذات وبين الذات الواعية).
فالأديبة العزة تطلق العنان هنا للذات الواعية لتواجه اللاوعي في إعادة إنتاج الرؤى والمفاهيم والقناعات، ومدى جدوى هذه الحياة بصورتها الحالية المعيشة في إطار من الصراع بين الذات ونفسها من جانب، والصراع بين الذات والآخر من جانب آخر.
فمنذ العتبة الأولى (العنوان) تتكشف ثيمة الاغتراب من خلال توظيفها تركيب «خيوط دخان» بما يحيل إليه من عدم ولا جدوى وما يرمي اليه من تيه وضياع وتلاش، يعيد فينا إنتاج صورة «من يطارد خيط دخان» في «قارئة فنجان» نزار قباني.
كما يكشف الغلاف – وهو الآخر عتبة نصية – عن هذه الثيمة، فالتضاريس المجاورة للفتاة انما هي مشخصنة ومؤنسنة فهي تراقب الفتاة وكأنما هي في حالة تأهب للمواجهة.
يتمظهر الاغتراب في الشعور بالاغتراب تحت وطأة حبات المطر الذي يعيث حزنا عاناه في السياب من قبل، فالأديبة العزة تشعر بالحزن يلاحقها مع حبات المطر فتقول: (لماذا يرفض ان يغادرني، فأنا سئمت شتاءه، وعفت هطول بكائه ص30)، ويتمظهر ايضا في بحث الذات عن ذاتها، ولعله من أصعب أنواع التيه والضياع، فلا شيء اصعب من ان يبحث الانسان عن ذاته فلا يجدها، فإذا كان لا يجد من يصلح لمشاركته الحياة من الآخرين شيء وأن لا يجد ذاته فشيء أصعب ومؤذن باغتراب شديد، اذ تقول العزة: (توهان، ضياع، ابحث عني في البقاع، فقد ظللت الطرقات وتاهت النظرات ص11). ولعل استحضار العزة صورة (السندباد) - الذي ظل يتنقل ويجوب المعمورة وكان يفتش عن العالم رافضا الاستسلام للواقع - يجذر احساس القارئ والمتلقي بهذه المهيمنة «مهيمنة الاغتراب».
ويتمظهر الاغتراب كذلك في صراعات الكون وقوى الطبيعة، وتكشف خواطر العزة عن ذلك فالقمر يصارع الشمسن فتقول العزة «( تنام أشعة الشمس الدافئة، يبزغ القمر يعاكسها بعكس الاتجاه)» كما ان القمر يصارع ظلمة الليل، فتقول العزة: (يشعر بانتصارات قواه المضيئة على ظلمة الليل).
ويشكل التناص ملمحا من ملامح هذه المجموعة، فقد جاء التناص مع القرآن كما في (الصافنات الجياد) ومع الف ليلة وليلة كما في (شهريار وشهرزاد). ففي كل هذا ترفض المجموعة ان يمارس الفرد دور الضحية، ويفرض البوح هنا درجة من الثورة على كل هذا الوجع والحزن، حد الثورة على حياتنا الطينية توقا لسيرة الخلق الاولى قبل ان تغوي التفاحة آدم وحواء، هناك حيث التسامي الروحي والجنة العلوية التي لا تشبه جنائن الارض الموهومة. فتقول (والشيطان يتربص للانسان في جسد تفاحة).
وتنطلق العزة من هذه الحالة «حالة الاغتراب» في اقامة المفارقات الادبية كما في المفارقة بين (الربيع العربي) و(جفت الاغصان وتناثرت الازهار).
والصور الفنية هنا مؤنسنة، فللحياة وجه وقسمات، ص35، والمجهول وحش ص35، والربيع يقلع ثوبه الاخضر ويلبس ثوبا قانيا بالاحمرار ص53، وجعلت من (اصفرار الورق) كناية عن الموت، فموت الازهار والاشجار موت، وموت الشباب والثوار في الربيع موت هو الآخر.
لقد استطاعت الاديبة العزة ان تلامس الشجن الانساني الذي يأتي من فيض الخاطر ويتدفق بحرية وعفوية وبساطة على ايقاع هادئ وآثرت الا تعانق الصمت ببوح شجي صاف ينطلق في فضاء الوجد والوجدان بإيقاعات متدفقة متلبسة بوجع القلب المضني ومرارة الايام الصعبة، تفتح مخيلتها المشبعة بالقلق الخلاق وتصفي حروفها والفاظها من الثرثرة الزائدة، فهي لا تريد المشاعر والاحاسيس المزيفة، وانما تريد الصفاء والبهاء والوجود الانساني وتنشد الخير والحق والجمال، وتوقظ القلب الغافي على كتف القمر وعناق الحلم الجميل الشفاف.
لقد جاءت خواطر هذه المجموعه في نزاع وخصام مع الذات والزمان فهي اهات القلب الموجوع ومكابدة صروف الايام وحيرة الروح ونزف الجرح ومرارة الايام نقشت من جداول الحزن اروع الصور ورسمت اجمل اللوحات, في خواطرها سردية غنائية عالية شفافة جاءت من نزق الشعر ونفس القصة القصيرة وبوح النص المفتوح ,انها خواطر واشتعالات امراة رومنسية حالمة كابدة الحياة بصبر وتحدي وحكمة على الرغم من ازميل القدر الثقيل على النفس والقلب والوجدان , هذه الخواطر لوحات فنية مدهشة اخاذة تدعوك الى القراءة والتأمل , تستخرج من ازاهير القلب الفكرة التي تحاور فيها الذات. وكأنها تطارد خيوط الشمس قبيل المغيب,لتشكل لوحاتها الفنية من شجرالكلام بايقاعات متدفقة نابضة بالحركة والحياة والمعرفة والجمال والعاطفة الجياشة بدفقات من حسها المتدفق من ينابيعها المتفجرة. 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش