الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لعلـكـــم تتفـكـــرون

تم نشره في الجمعة 21 شباط / فبراير 2020. 01:00 صباحاً

تزييفُ الوعي :
موسى والخضر عليهما السلام
ابراهيم العسعس
لمن سألني : لماذا لا تكتب عن الأعداء ، ونراك وكأنك متخصص في تفكيك ونقد ما يصدر عن مثقفي الأمَّة ؟
عن أبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: « أنَّ موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فَسُئِلَ أيُّ النَّاسِ أعلم؟ فقال: أنا، فعتِب اللهُ عليه، إذ لم يَردَّ العلمَ إليه، فقالَ لهُ: بلى ، لي عبدٌ بِمَجْمَعِ البحرين هو أعلمُ مِنكَ ... « .
كان موسى عليه الصلاة والسلام يتوقع أن الذي سيذهب إلى ملاقاته أعلمُ منه داخل نفس مرجعيته ، وهذا ما ينصرفُ إليه الذهنُ بادي الرأي ، أنَّ أعلمية ذاك الرجل عليه كميَّةٌ وليست خارج دائرة منظومته العلمية ، ومرجعيته التي يستنبط منها.
ولما وجده موسى عليهما السلام قال له : «أتيتُك لِتعلمني ممَّا عُلِّمتَ رشداً، قال: يا موسى إنِّي على علمٍ من علمِ اللهِ عَلَمَنِيِهُ اللهُ لا تَعلمُه، وأنتَ على علمِ من علمِ اللهِ عَلَمَكُه اللهُ لا أعلمُهُ، قال: هل أتَّبِعُك؟ قال: ( إنك لن تستطيع مَعِيَ صَبْراً وكيفَ تصبِرُ على ما لَم تُحِطْ بهِ خُبْراً ) !
ولك أن تتخيل المفاجأة على وجهه عليه الصلاة والسلام ولعله قال في نفسه : وإذن الرجل يتحرك خارج منظومتي ، ولكن لا بأس لعلي إن صاحبتُه أفدتُ منه فردَّ على تنبيه الخضر عليه السلام : « .. ستجدني إن شاء اللهُ صابراً ولا أعصي لك أمراً « ..
ومع ذلك لا أظن أنه عليه الصلاة والسلام توقع أن يصل الأمر إلى ما حدث بعد ذلك
وعلى كلِّ حال دعني أصل إلى الشاهد : لم يعلق موسى عليه السلام على الحاكم الظالم ولا على الغلام المُزعِج ، ولا على أهل القرية الأشرار كلُّ ما كان يهتمُّ به هو تصرفات العالم أو الداعية أو المثقف ( سَمِّهِ كما شئتَ ) الذي يتحدث باسم الدين أو العلم أو ثقافة المجتمع ، إياك أن تُزيِّف المنهج من داخله ، وأن تُزيِّف الوعي باسم ثقافة المجتمع .. إن الحديث عن ظلم الحاكم في تلك اللحظة لا تعني شيئاً مقارنة مع من يدَّعي أنه يُمثِّـل اللهَ سبحانه في تصرفاته ، والتعليق على بُخلِ القوم من لَهْوِ الحديث إْن قُورِنَ بإفساد من يُصرِّحُ بأنه فَعل ما فَعل بدعم المنهج له ، أيها الرجل الصالح قدِّم تفسيراً لتصرفاتك ،والتفسير يجب أن يكون مقبولاً منطقياً . وقد ذكرتُ في مقال سابق عن الحادثة أن اعتراض موسى عليه السلام كان انسجاماً مع منظومته الفكرية وما كان له إلا أن يعترض ، واعتراضه ليس نقضاً لوعده للخضر عليه السلام لأنه لم يكن يتوقع أن يكون الذي لن يسطيع عليه صبراً ، والذي لن يبلغَ عِلمُه خُبْرَهُ  يَصلُ إلى درجة قتلِ غلامٍ بريء ، وخَرقِ سفينةٍ لِمساكينَ يَعملونَ في البحر ، فكأنه قَطَعَ رزقَهم بهذا الخرقِ .
لو كان على أحد أن يسكتَ على تصرفاتِ أحدٍ ، فهو موسى مع الخضر عليهما السلام الذي يحمل تزكيةً من الله سبحانه ، ومع ذلك لم يسكت موسى عليه السلام
إن تقديم تفسيرات أو تحليلات لأفعال الأعداء بطريقة تُزيِّف الوعي أشدُّ خطورةً من أفعال الأعداء ، بل أكثر من هذا : إن أخذ موقفٍ ما من مواقف الحياة لا بدَّ فيه من أن تكون قادراً على تفسيره تفسيراً مقبولاً . لاحظوا التنوع في تصرفات الخضر عليه السلام التي تخالف ما ينبغي في ظاهر الأمر : فمرةً أساء إلى من أحسن إليهما وأخرى أحسن إلى من أساء إليهما ، وثالثة يقتل غلاماً بريئاً .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش