الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وبـــــاء مخيـــف « كـوفيــــد « 19 »

الدكتور فايز أبو حميدان

الأربعاء 26 شباط / فبراير 2020.
عدد المقالات: 30

أصبحنا نشاهد يومياً على شاشات التلفاز وصفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية مشهدا متكررا لاشخاص يرتدون ملابس واقية كرواد الفضاء، مواطنون يتنقلون بكمامات على وجوههم، شوارع في مدن حيوية تخلو من السكان ومهجورة بشكل مخيف، طائرات شبه خالية من المسافرين وسفن تُحجَز في الموانئ يُمنع ركابها من النزول، الصحف مليئة بالمقالات ووسائل الإعلام المختلفة تبث برامج وتقدم مواد إخبارية على مدار الساعة حول آخر المستجدات حول هذا الفيروس والارقام الجديدة لحصيلة ضحاياه من مصابين ووفيات بالإضافة الى الدول الجديدة التي بدأ ينتشر بها مرض الكورونا المستجد (nCOV- 2019) والذي يُدعى الآن كوفيـــد 19 (COVID-19).
تجاوز عدد الإصابات المُعلن عنها رسميــاً 80 ألف حالة ووفاة أكثر من 2500 شخص أغلبها في الصين منشأ المرض وخاصة في المدينة الصناعية الجامعية ووهان، لكن هنالك شكوك حول صحة هذه الأرقام فمن المرجح أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من الأرقام الرسمية المُعلَنة ويُعزى ذلك الى وجود بعض المناطق النائية في الصين التي يَصعُب الوصول الى ارقامهــــا نظراً لضعف النظام الصحي فيها وتدني مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمرضى، لذا يؤسفني القول هنا بأن سياسة الحكومة الصينية في التعتيـم وإخفاء حقيقة هذا المرض منذ البداية ومحاولتها التستر على خطورته ونطـاق انتشاره ساعدت على تفشي هذا الفيروس بوتيــرة سريعــة إلى ان اصبح وبـــاء مُميت وساهمت بذلك في تأخر مواجهة هذا الفيروس القاتل .
تظافر الجهود العالمية الحثيثة لمكافحة هذا الفيروس وسعيها لإيجاد علاج يوقف انتشاره وتطوير مصل جديد مضاد له في سباق مع الزمن، فطبيعة هذا العدو الفيروسي صعبة للغاية كون إمكانيـة تغييـر صفــاته الوراثيـــة واردة، ويكمُن السر في عدم القدرة على اكتشاف لقاح فعال أو علاج شافي له حتى الآن الى عده عوامل أهمها : عدم توصل العلماء وأبحاثهم العلمية الى الشيفرة الوراثية بالشكل الثلاثي للفيروس والتي سوف تساعد بدورها على اكتشاف مطعوم له، يُضاف الى ذلك قدرة هذا الفيروس على الانتشار بسرعة وانتقال العدوى بين الناس قبل ظهور الأعراض على المصابين به وبالتالي يصعب إمكانية تحديد المدة الحقيقية لفترة حضانة هذا المرض، فهو مرض جديد للنظام المناعي البشري وسريع الانتشار خاصة في المستشفيات لذا فإن إمكانية ايجاد لقاح فعال مضاد له تحتاج الى وقت طويل والبحوث التي تُجرى بقصد تصنيع عقاقير مضادة لهذا النوع من الفيروسات المميتة مازالت في البداية . وكون هذا المرض قد بدأ ظهوره في الصين فإن امكانية انتشاره سريعة جداً بسبب الكثافة السكانية العالية هناك بالإضافة الى طبيعة الحياة الجديدة بفضل التطورات العالمية والتي انعكست على سرعة التنقل وسهولته. فكل العوامل السابقة تجعل من هذا الوباء خطر كبير يهدد العالم ومن الصعب السيطرة عليه . ويجدر بالذكر هنا التنويه الى مسألة هامة وهي ان تفشي هذا الوباء في دول فقيرة ذات نظام صحي متواضع يزيد الأمور سوءاً وتعقيداً ويساهم في رفع نسبة الاصابات والوفيات.
ان من اهم الطرق المتبعة لمقاومة هذا الوباء هي اتخاذ الإجراءات الوقائية الصارمة للحد من انتشاره وذلك عبر قيام السلطات بحظر السفر الا في حالات الضرورة واجراء فحص مسحي للمواطنين لرصد اعراض الفيروس ومحاولة الكشف عن الحالات المشتبه بها وخاصة للقادمين والمغادرين من دولة الى أخرى في المطارات كقياس درجة حرارة الجسم، الى جانب توفير كافة وسائل التعقيم للأشخاص والاشياء التي يتم لمسها، وضرورة ارتداء الكمامات والملابس الواقية، ولكن اهم عامل للوقاية هو الحجر الصحي للمصابين ومن كان له صلة بهم حتى لو أدى ذلك الى عزل مدن بأكملها كما يحدث الآن في الصين وايران وإيطاليا، حيث يُقدّر عدد الذين يعيشون في الصين تحت الحجر الصحي 50 مليون نسمة . كما تتطلب الإجراءات الاحترازية لمكافحة هذا المرض نشر الوعي الصحي لدى المواطنين بضرورة الالتزام بتعليمات الوقاية والابتعاد عن التجمعات البشرية الكبيرة وخاصة الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية والوطنية والرياضية والطقوس الدينية الجماعية. بل هناك من يطالب بإيقاف السفر بين دول العالم لمدة زمنية محددة لتجنب حدوث كوارث بشرية كما كان الحال عند انتشار الانفلونزا الاسبانية عام 1918-1920 والتي أودت بحياة 50 مليون شخص وانتشار الانفلونزا الروسية عام 1977 والمعروفة بـــ»H1N1» .
فعلى الرغم من ان الوضع الحالي يبعث الخوف في نفوس الناس الا ان إمكانية إيجاد حلول لإيقاف انتشار المرض واردة جداً وقريبة، فمن المحتمل ان يصبح انتشار الكوفيد 19 كانتشار الأنفلونزا الموسمية او انتشار كورونا « سارس « التي وُجدت لها نهاية.
كما ان الوضع يتطلب من الحكومات ضخ أموال هائلة من أجل تعزيز سبل الوقاية وتسديد التكاليف المترتبة على العلاجات وانشاء مستشفيات متخصصة لهذا الوباء، ودعم الاقتصاد الذي يعاني نتيجة مرض الكورونا من ازمات مالية ناجمة عن تراجع السياحة والخسائر التي تكبدتها شركات النقل العام والطيران والانخفاض الحاد في الإنتاج والتصدير وزيادة نسبة العاطلين عن العمل وارتفاع الأسعار وقد يؤدي هذا المرض الى انهيار السوق المالي .
فوباء الكوفيد 19 افضل مثال حي على ان الاقتصاد العالمي هش ويتأثر بسرعة جراء أي تغيرات تطرأ على النظام الصحي للمواطنين، وانتشار الامراض هو تحد عالمي يشمل الدول الصناعية المتطورة فالأفلام السينمائية عن الحروب البيولوجية واقعية وليست من نسج الخيال.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش