الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

زمن الأسرة الافتراضية .ّ

د. هند أبو الشعر

الأربعاء 19 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
عدد المقالات: 156

هذه مقولة تستحق منا التمعن ، فنحن في زمن قلق جدا ، والفرد في مجتمعنا يجد نفسه أمام متغيرات عجيبة غير مفهومة ، حتى أننا بتنا لا نستطيع تصديق حجم التغييرات التي تلاحقنا ، وصار علينا أن نتلمس رؤوسنا لنتأكد من أنها ما زالت على أكتافنا ، لقد انقلبت منظومة المفاهيم رأسا على عقب ، وبات الجيل الجديد محكوما بثقافة عالمية ، كل العالم بين يديه بكبسة زرّ ، بينما منظومة القيم التي تمثلها العائلة والمؤسسات آخذة بالتقلب والتغير ، ولا نبالغ إن قلنا أن الأسرة فقدت حضورها التقليدي لصالح المؤسسات الإعلامية والتقنية ، وتغير  دور المدرسة التقليدي ،وهذا الذي نراه في مجتمعنا يتكرر في العالم  ، وهذه الحالة تضع الكرة في مرمى المؤسسات التربوية التي تراجعت عن ممارسة دور اللاعب الرئيس الذي كانت تتقاسمه مع الأسرة .

هذا تنظير لا نستطيع التجاوز عنه ، لأنه يجرنا إلى تفحص سلسلة العلاقات الجديدة التي بدأت الأسرة تقبل بها ، فتراجعت حرارة العلاقات الأسرية بوضوح ، وبات الأخوة في البيت الواحد لا يتحادثون ، وينهمك كلّ أفراد الأسرة بأجهزتهم الخلوية وبرامج الانترنت والفضائيات عن الحوار العائلي ، وصارت الألعاب الالكترونية تربي عقل وعواطف أطفالنا ، وانفرط عقد الجلسات العائلية حتى على مائدة الطعام ، فالجيل الجديد يأكل بطريقته السريعة ويعتمد على الوجبات السريعة التي تمثل الفردية والعزلة ، في الوقت الذي تقبل فيه الأسرة هذا النمط وتتنازل عن الجلسات العائلية حول طبق “ المقلوبة “ مثلا ، لأن الوجبات التي تأتي جاهزة أسرع وتبعث على راحة ربة الأسرة ، دون أن نفكر في محتوياتها ومضارها الصحية ، وبالتالي ، تحولت العلاقات الأسرية إلى أوقات المناسبات ، وانفرط عقد العائلة الكبيرة ، وصارت كلّ الأيدي وحيدة ، ولم تعد قادرة على التصفيق والتلاقي .

والسؤال المقلق الآن لنا كلنا ، إن كنا نرضى أن تستفحل هذه الحالة وتعمّ كلّ الأسر ، فكيف نعلمّ اليد الواحدة التي لا تستطيع أن تصفق ، كيف نعلمها أن تصافح ..؟ القطيعة مؤلمة ومؤسفة وجارحة ، وقد تسيدت على غالبية الأسر ، مع تفاوت في درجاتها ، حتى أنها انتقلت من مدننا إلى أريافنا ، لقد صار النموذج الفردي أقرب إلى يوميات مجتمعنا ، في العلاقات الأسرية ، مقابل الانفتاح العجيب للفرد على العالم كله ، مع ملاحظة انغلاقه على نفسه وتباعد علاقته مع عائلته ، في حين تتسع وتتشعب علاقاته مع دوائر أخرى افتراضية .. صرنا في زمن الأسرة الافتراضية .

 نعم نحن في زمن الأسرة الافتراضية إن سمحنا لهذه الظاهرة أن تكبر وتكبر حتى تصبح كرة الثلج المتدحرجة والتي تجرف كل ما هو حولها ..ّ! ماذا نفعل ..؟ ومن هي الجهات التي يجب عليها أن تبادر لتلافي هذه الظاهرة التي صارت مقبولة لدينا ..؟ أعرف شبابا يعيشون مع أجهزتهم في غرفهم الخاصة بعزلة عجيبة ، ولكنهم  يتصلون افتراضيا بكل ما يخطر ببالنا ، إنها حالة إدمان قاتلة ، عزلة تجعل العاطل عن العمل يعيش في عالمه الخاص ، وماذا لو علمنا أن مثل هذا النمط مرشح لأن يصبح ظاهرة ..؟ وماذا لو قرعنا جرس الإنذار لئلا يتحول شبابنا للعيش في أسرة افتراضية ..؟ نعم ، نقرع الجرس بإلحاح ونقول للجميع أعيدوا سريان الدماء في شرايين علاقتكم  بأسركم ، ولا تسمحوا بجفاف الحياة ، وعلموا اليد الواحدة التي لا تستطيع أن تصفق أن تصافح ..!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش