الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فـــرص في الأزمة

الدكتور فايز أبو حميدان

الجمعة 27 آذار / مارس 2020.
عدد المقالات: 14

لا يستطيع الإنسان تقييم النِّعم التي يمتلكها إلا أثناء الأزمات والشدة وهذا يعود إلى أن الإنسان يبدأ في تقييم أموره الحياتية بصورة أخرى تكون بعيدة كل البعد عن الاعتبارات المادية بل وتصبح الأمور الصحية والعائلية والمعنوية أكثر أهمية، فما يحدث الآن من كوارث في العالم نتيجة انتشار مرض كوفيد 19 لم تنعكس تبعاته على الصعيد الشخصي فحسب وانما على الصعيد العائلي والمجتمعي والدولي ، وقد أدى الى تغير واضح في نظرة الناس للحياة والمشاكل والأولويات ولكن التغير الأكبر سيكون في سياسات الدول بل وسيشمل جوانب مختلفة للحياة سواءً من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

إنني على ثقة بأن العالم سوف ينجو من هذا الوباء قريباً والامل في إيجاد حلول طبية ولقاحات تنهي المعاناة الحالية قريب جداً ، فجهود العلماء الحثيثة من مختلف أنحاء العالم متواصلة ومستمرة بل وتوحد العالم اجمع الآن للدفاع عن البشرية من فيروس الكورونا، ولكن كم ستكون الخسائر البشرية والمادية فهذا أمر متروك للمستقبل.

ولكن ما الذي تعلمناه من هذه الأزمة؟؟ 

الإمكانيات المادية لبعض الدول وتطور نظامها الصحي لم يعد يعني الكثير في ظل تفشي وباء مثل الكورونا والتضامن العائلي والمجتمعي والدولي الذي ظهر مثالا جميلا يعزز إيماننا الداخلي بأن الإنسانية تنتصر على كافة الخلافات السياسية والعرقية والطائفية بل والعائلية أيضاً. 

فانخفاض نسب التلوث وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري أكبر دليل على أن حماية البيئة والطبيعة بيد الإنسان، بل إن الجلوس بين أربعة جدران في المنزل بفضل الكورونا فتح آفاق عقولنا نحو أهمية نقاء الطبيعة وجمالها وقيمة التمعن بمناظرها بل والاسترخاء وصفاء الذهن عند سماع زقزقة العصافير صباحاً. 

ومن جانبٍ آخر فقد دفعتنا الكورونا للتخلي عن  سلوكيات وعادات اجتماعية مترسخة في ثقافتنا كالامتناع عن التعبير الجسدي للمودة بما في ذلك عادات السلام التقليدية والتحيات اليومية المتعارف عليها كالمصافحة والتقبيل والمعانقة، وولدت بداخلنا حسا بالمسؤولية الذي يجعلنا لا نتوانى عن الالتزام بمنازلنا والتقليل من التنقل غير المبرر والابتعاد عن  أماكن الاكتظاظ لتجنب انتقال العدوى الينا ومن ثم نقلها لأفراد الأسرة او للاخرين.

فجلوس الرجال في المنازل بفضل الحجر المنزلي أعطاهم فكرة عن حجم الهموم والمهام اليومية التي تقوم بها نساؤهم الى جانب وظائفهن المهنية، كما وقد أصبح الاهتمام بكبار السن مهمة العائلة بأكملها وبدأنا نعي قيمة التعاون الأسري فيما بيننا.

كما عززت هذه الأزمة بداخلنا الاهتمام بالنظافة الصحية بشكل سليم كالمداومة على تنظيف وتطهير الأيدي بالماء والصابون والمطهر الكحولي الى جانب تعقيم كل المواد والأسطح الملامسة لكل شخص والتي يتم لمسها بشكل متكرر، بالإضافة الى التزامنا بارتداء مستلزمات وقائية كالقفازات والكمامات والملابس الواقية اذا استدعى الأمر الخروج في حالات الضرورة.

وبفضل الأزمة أصبحنا ندرك أهمية وحجم المسؤولية للدور الذي تؤديه بعض المهن كالطب والتمريض وعمال الوطن المسؤولين عن نظافة الشوارع وجمع ما بها من نفايات  والمهام الملقاة على كاهل عاملي المخابز ووظائف صغيرة اخرى لم تخطر في بال أحد، هذا وبدأنا نفهم أهمية حب الوطن والعمل وعدم الجلوس في البيت وكذلك أهمية الحركة وممارسة الرياضة وقد أصبح لدينا متسع من الوقت للعائلة والحديث مع أطفالنا وزوجاتنا ، وبدأنا نضجر من وسائل التكنولوجيا المتنوعة كالحواسيب والأجهزة الذكية الحديثة المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي وبدأنا نقرأ في الكتب المكدسة في بيوتنا منذ سنين.

بل وعلمتنا هذه الأزمة كيفية مواجهة الأزمات وإدارتها وإيجاد بدائل وخيارات فعلى سبيل المثال حظر التجول والحجر المنزلي حرك بداخل البعض اجتهادات شخصية للابتكار والإبداع بأساليب الطبخ وذلك بالاستخدام الامثل للموارد والأغذية المتوفرة في المنزل دون الحاجة للخروج، وقد أصبح الرجل رغم صعوبة المشهد جزءا مهما في المطبخ ولو أنه أحيانا عامل معيق. 

بدأنا بترتيب البيت والملابس والتخلص مما هو غير ضروري وقمنا بتصليح ما كان معطلا بالمنزل والأجهزة الكهربائية، وبدأنا نكتشف بأننا نكدس أشياء لا ضرورة لها واكتشفنا أيضا تاريخا وصورا قديمة للعائلة أعادت إلينا محطات من الذكريات الجميلة التي لا تقدر بثمن. والأهم من هذا كله وقت الفراغ المتاح لنا هذه الأيام جعلنا نبدأ باكتشاف الذات لكل منا وبدأنا نراجع أنفسنا في كثير من المواقف والأمور والقرارات التي اتخذناها في حياتنا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش