الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رب ضارّة نافعة.. وباء كورونا فرصة للخروج من سلطة المستعمر وتحقيق الأمن الصحي والمعرفي

تم نشره في الأحد 29 آذار / مارس 2020. 05:17 مـساءً

بقلم: الباحث التربوي الهادي منصور

 

كثيرا ما كنا نردد الخبار ونسمع في تونس ان مواطنا في جهة من جهات البلاد قد تمّ إيقافه بتهمة توصّله ونجاحه في صنع آلة "ما" وسرعان ما يذوب الخبر في الزحام الاجتماعي لأن أخبارا أخرى متواترة هي حتما أخف وزنا وأكثر تفاهة ستفقده معناه وأهميته ،ولكن يبقى الألم ساكنا في نفس كل عارف بخبايا المعرفة والعلم ويمنّي النفس بثورة حقيقية تثور معها العقول والسواعد على القوانين المكبّلة التي حتّمت تواصل هيمنة الدول الاستعمارية والقادرة معرفيا على الابداع والإنتاج والتصدير على شعوبنا باعتبارها وجهة للاستهلاك .

وتعيش تونس كغيرها من بلدان العالم على وقع فيروس كورونا covid19 الذي حتم على شعوب العالم دخول الحرب ضده ليس فقط من أجل التغلب عليه ولكن من اجل البقاء باعتباره جائحة قادرة على الفتك بعدد كبير من الناس خاصة منهم كبار السن وهذا ما حصل بالفعل حيث وصلت وفياته إلى حدود يوم الجمعة 27 مارس 2020، إلى أكثر من 26 ألف وفاة بينما لم يتجاوز العدد الإجمالي للمصابين في تونس الـ200 ولكن رغم ان العدد يعتبر ضئيلا جدا مقارنة بما يجري في دول أخرى إلا الوباء كان فرصة للوقوف على واقع قطاع الصحة بتونس وتقييم سير عمل ونجاعة مستشفياته التي إكتظت بحالات الحجر الصحّي مما إستوجب خلق استراتيجية جديدة تعاملت معها الحكومة بشكل جدّي ودفعت بمئات المليارات من أجل إستيراد كميات مهولة من الدواء وآلات التنفس الاصطناعي لتأمين صحة الناس ورغم كل هذه المجهودات اللوجيستية كنّا نتطلع إلى مؤشرات الأمل بين تضاعف نسب المصابين والعائدين والمرضى وبين المبادرات المجتمعية والعلمية لتدعيم جهود الأطباء في المجال.

فهل كنّا ننتظر أزمة وباء الكورونا لكي نستفيق ونعوّل على مهاراتنا العلمية وطاقاتنا الشبابية وخبراتنا من أساتذة وخبراء وباحثين وأطباء؟

هل يجب أن نقضي العمر كله في الاستيراد رغم قدراتنا على التصنيع ؟

هل يمكن إعتبار الأزمة بوابة خلاص من الاستعمار ؟

كل هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عنها من خلال هذا المقال الذي يعيد للشعب التونسي والعربي أمل التحرر ولكن بشرط توفر المعرفة والايمان بأنها الحل الوحيد حاضرا ومستقبلا.

لا شك انه من المهارات التي تتميز بها المجتمعات "العلمية والذكية " وتختلف بها عن بقية المجتمعات هي القدرة على التفكير الاستراتيجي في أي ظرف وتحت أي مشروعية خصوصا عندما تكون الغاية إنسانية أهدافها الفهم والتحليل والبناء من أجل الانسان ،الذي يبدو أنه تطور في ذكاءه وعدوانيته من ذئب إلى كورونا ،وعلى إعتبار وأننا في إطار يرتقي لمرتبة ومفهوم "الأزمة" أود أن نتشارك  فيما ينفع الكثيرين من القرّاء و الباحثين على اختلاف انتماءاتهم ومجالاتهم البحثية والمعرفية للارتقاء بهذا الظرف ليس فقط باعتباره فترة أزمة ومجموعة من الأخبار المتناقلة ،بل إلى مجال دراسة يمكن أن نستفيد منه بالاعتماد حتما على مؤشرات دراسة المجتمع في كليته.

من المعلوم أن دراسة السلوك الاجتماعي والاقتصادي زمن الأزمات على إختلافها وتنوعها يختلف إطاريا عن ما هو معهود ومكرر ،ولأن الظروف التي تحيط به مختلفة الخصائص والشروط فإن ما نراه اليوم من ديناميكية إجتماعية وإقتصادية تكشف لنا حتما فهما أكثرا واقعية لمجتمعنا وعليه إذا رمنا حلولا أكثر نجاعة مستقبلية فإن العلم يفرض علينا أن نخضع التجربة للدراسة بمقاييس تتسم بالموضوعية ،وهذا ما أعتبره رهانات تنموية حقيقية تبني فعليا لتونس وللمجتمعات العربية الأخرى آفاقا ممكنة حتى وإن كانت على مدى بعيد.

ولو نتامل جيدا وخلال أسبوعين فقط جعل الوباء معظم الشعوب تلتجأ للأطباء والباحثين في المخابر الطبية والمرافق الصحية دون غيرهم من الموارد البشرية بل وجعلها امام تحديات إقتصادية وإجتماعية وإنسانية حتمت عليهم العمل في ظروف صعبة وخلال أوقات طويلة... ولكن يبقى التحدي الأكبر والمهم هو البحث العلمي بنتائجه التي تمثل اليوم بوابة الأمل وهذا ما سيفضي بنا إلى الاعتراف مجددا بالمقولة التي تؤكد أنه لا فرق في الشعوب هم فقط "شجعوا الفاشل حتى نجح ونحن حاربنا الناجح حتى فشل" غير ان الواقع التونسي هذه الأيام وكأنه كان يعيش ويترقب هذه الأزمة حتى يشمّر الباحثون والطلبة المهندسون والأطباء عن سواعدهم ويبرهنوا للعالم أنه بإمكاننا أن نفكّر ونجرّب ونصنع حاجياتنا حتى الأكثر تعقيدا واهمية ولعل ما قام به طلبة المدرسة الوطنية للمهندسين بولاية قابس الواقعة في الجنوب التونسي في معاضدة الجهود الوطنية من صنع أكثر من نموذج لأقنعة التنفس لينتهي البحث بالاتفاق على نموذج واحد دخل مرحلة الإنتاج كأفضل الأقنعة التنفسية واقية من فيروس كورونا.

وفي جهة أخرى بالوسط التونسي نجحت شركة كونسومادConsomed  التونسية في إنتاج وصنع سرير عازل خاص بمرضى فيروس الكورونا كآخر ابتكاراتها في مجال المعدات الطبية ويتمثل في فراش طبي عازل ربما سيكون واحدا من أهم الحلول في الأيام القليلة القادمة.

 ومن ضمن أهم المقاربات الجديدة الأخرى لمكافحة جائحة كورونا على الصعيد الوطني كان امام القطاع الصحي في تونس تحدّي كبير نظرا للنقص الفادح والكبير في آلات التنفس

حتى ان مبادرة رائدة جاءت تحت هذا الإسم "نعم نتنفس"، وهو شعار المبادرة التي أطلقها طلبة وأساتذة وخبراء المدرسة الوطنية للمهندسين في مدينة سوسة وكلية الطب بالمكان ، من أجل إعطاء جرعة امل بصناعة آلات تنفس تعاضد جهود المستشفيات التي ما إنفكت تطلق صيحات الفزع والمساعدة .

وتأتي جل هذه المبادرات بعد أن أفصحت وزارة الصحة ،أنّ عدد أسرّة الانعاش أقل من 200 سرير وهذا في حد ذاته مؤشر إهمال لقطاع حيوي في حين ان القطاع الخاص بمختلف مصحاته ومستشفياته ،يمتلك قرابة 300 سرير إنعاش، تمّ الاتفاق مبدئيا على دخولهم حيز الخدمة العامة .

وبسؤالنا للكثير من الأطباء الشبان وطلبة الطب المزاولين حاليا لدراسة الطب عن المخزون التقني من آلات ومعدات طبية في تونس اكدوا جلهم أن الكثير من الآلات قد تجاوزها الزمن وان آلات التنفس الحالية مثلا هي كبيرة الحجم وغير عملية بالشكل الذي يمكن الاعتماد عليه كحلول ناجعة وبالسؤال أيضا عن الحلول البديلة أكد معظم العاملين في مجال الهندسة أنهم قادرين على صنع نماذج أصغر حجما وأكثر نجاحا ونجاعة لو تعطي الدولة التونسية إهتماما اكبر للبحوث العلمية وتحد من هجرة الأدمغة ،مؤكّدين عزمهم على النجاح في هذا التحدي ومساعدة الدولة التونسية بل والوصول إلى حدود الاكتفاء الذاتي دون الالتجاء للاستيراد .

وتثمينا لكل هذه المبادرات وبإذن من رئيس الدولة قيس سعيد تكفلت رئاسة الجمهورية بدعم منتج طلبة المدرسة الوطنية للمهندسين بسوسة وذلك بتوفير المستلزمات المادية واللوجيستية 

وتولى الديوان الرئاسي عملية التنسيق مع الأطباء والولاة والمديرين الجهويين للصحة لتحديد الحاجيات وتوزيعها .

وقد وصلت فعليا بعد الانتاج الأقنعة الواقية الى عدد كبير من المستشفيات في جو من الأمل الذي يحدو كل التونسيين بالخروج من سلطة اللوبيات التي تسيطر على الاقتصاد وتخنق حركة البحث العلمي والابتكار وهو ما يجعلنا ننهي بنفس سؤال البداية ،هل ننتظر الوباء للخروج من سلطة المستعمر ونحقق أمننا الصحي والمعرفي

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش