الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رسائل السلمندر

تم نشره في الثلاثاء 7 نيسان / أبريل 2020. 12:00 صباحاً

ليلى جاسر سلامة

لا أحد محصّن من النار! في الخامس والعشرين من فبراير من العام 2020 شاع أنّ غريبًا أفسد حفلة رأس السنة. كنت أمشي متثاقلًا صعودًا ونزولًا بين طوابق المنزل إلى أن دقّت الساعة الثانية عشرة ليلًا. كل شيء ساكن، المكان يبالغُ في استسلامه للخمود، اختفى ضجيج الطائرات وبات صوت المؤذن أشدُّ وضوحًا ودقّةً رغم أنّ النوافذ محكمة الإغلاق، ومن خلف الأبواب يتوارى كل شيء في مقاومة زوبعة غبار تشعر بالملل من الصمت المطبق على الحي. أصبح الكون حولي كالحرم المقدّس، ولذا فكّرتُ أنّه من الممتع أن أتسلل فوق أسطح البيوت الملاصقة لبعضها البعض، أقفز من بيت إلى بيت...كالعنكبوت أمُرُّ بين الشقوق وأتجسَّسُ ...مُسلّية جدًا مهنةُ الجاسوسية؛ حتى سليطي اللسان أصبحوا محتشمين في ألفاظهم، مثلًا، سمعتُ أم خالد البربرية تصرخ على جارتها: إنّك تتهمينني بكل صفاقة! ..وعجبتُ لأمر اللغة العربية كم تصبح قاسية ومهذبة بين جارتين إحداهما بربرية والأخرى ثورية.. لتتحول الوقاحة إلى صفاقة. أدركتُ حينها عظمة الحجر المنزلي خلف الزجاج. بينما رحتُ أتسلّق شجرة تفاح أبو هلال، جاري الأعرابي الذي لا يعرفني وإذ يشدّني اللهاث من أذني لينبهني أنّ السترة الواقية التي ترتديني ذات جلد زلق يسيح في خلاياه العرق المتصبب عبر عروقي المستنفرة. لم ألقِ بالًا لاحتراق أنفاسي بل طفقت أبصق على ثمار التفاح وأبخُّ أنفاسي النتنة على أغصانها ووريقاتها ..أفزعتني الشجرة لما استلّت خنجرًا وطعنتني به طعنات شرسة مزّقت أضلعي ثمّ أخذت تلوي نصله المسنون الذي أعمى مخارج التنفس في صدري. أخذتني خطواتي المتمردة وفردّتُ جناحيَّ على امتداد سطح بيت جارتنا مريم، كان القمرُ جالسًا فوق السلّم المؤدي إلى الخزّان، فلمحتُ ابنتها ريم آسرة الحي تُراودهُ، خفق قلبي فتعمّق الخنجر في غرز أوتاده في حبل الوريد..عانقت نسيم أنفاسها واكتفيتُ برشفة من مُحيّاها البهي، راقبتها قليلًا تعيشُ عزلتها وتغرس ورودها بين الغيمات الوضّاحة، شعرتُ بسترتي تلكزني من غيظها، خرج من صدري ضجيج ثمّ لقفتُ دمعتي وأودعتها السماء، ثمّ اختفيت بين خيوط الظلام. بقيتُ أتنقل فوق أغصان الشجرة والأشجار الملاصقة داخل صندوق مستتر، وفجأة سقطت في بئر فتلوثت مياهه بالسموم المحمل بها. لم يمض على سقوطي المؤلم سويعات حتى بدأت الأمطار الغزيرة تشحن البئر فارتفع منسوب المياه في ثمّ قذفني إلى خارجه كالأسماك النافقة على شاطئ مُعدم. رجعت إلى المنزل محمومًا وكأنّ جسدي كتلة لهب سقطت من الجحيم.. الهدوء لم يبرح منصّته بل استمر يكتِّفُ أذرع العالم أجمعه، هدوء مقرون بالخوف والشك والارتياب والعجز. ارتأى الجميع اقتناء مناظير كبيرة، الأعناق مدلّاة والأعين لصيقة بالشاشات الذكية للبحث عن مزيد من السموم..شعرت بالشره اتجاه هؤلاء المغفلين المكتّفين ولذا أسرتني رغبة جامحة في حلق شعر رأسي حلاقة آخر تقليعة فأصبحُ أولُ التابعين وصاحب الامتياز. لم تكن طلْعة فيروس كورونا بشعة بل إنه في غاية الجمال والأناقة والوداعة..هذا المخلوق الذي يرتدي تاج ملكةٍ على رأسه وتحوطه هالة هو وذريته المذهلة المهاجرة من الصين كالفقّاعات المجنّحة. ورغم تعاطفي الشديد معه، لم أشأ أن أحفره وشمًا يؤزُّ جلدي المتقرّح؛ لأنني كالآخرين أعدّه مجرمًا طليقًا وحشّاشًّا يخطف الأرواح خطف المناجل...نظرتُ إلى المرآة أتأمل شكله فوق رأسي.. أحملُ تاج الملكة التي شنّت حربها علينا وتلفّتُّ حولي لأصنع سابقة، إلّا أنّه لم يتهمني أحدٌ بالجنون ..في الواقع لم يكن أحد مهتم بمتابعتي فجميع الأبصار خلف المناظير بركت في الشاشات اللّماعة، وهم مثلي يترقبون أن تشعل الشمس النيران لتطهر الأرض وتلتهم بحرارتها اللاسعة كورونا الذي بات مسعورًا ينهش جموع البشر. خرجت من غرفة المعيشة، فحظر التجول والحجرالمنزلي طرفة سمجة والكل الآن يهبُّ من أجل الخلاص. نظرتُ باتجاه أسرتي العلنية المغلّفة بخيمةٍ بلاستيكية والتقطتُ صورة لهم ..صورة تثبتُ أنهم منشغلين بالهبة التي قدمها الله لنا..الاجتماع العائلي. بالنسبة لي الأمر اعتيادي فأنا أرتدي سترة السلمندر، هذا الامتياز يحصنني من النار ولذا فإنني أذيع رسائل من لهب لا تخفق. أعيش بينهم في منطقة لا هي مدينة ولا هي قرية ولا يمكن أن تصف معالمها إلا بصفةٍ واحدة ألا وهي أنّها كانت تُسمّى أمّ الفئران...فخشخش صوت ألبير كامو في رأسي: الطاعون الجديد قادم من وهران!، شحذ الرعب سكينه في أوصالي فهي ما زالت أم الفئران.. أسماء المدن أمر مهم جدًا يالله ...! فكيف يسمحون لأنفسهم بأن يطلقوا أسماء بتلك الفظاعة على أرضك؟! لم يعد الأمر غريبًا بالنسبة لي إذا لمحت فأرًا يخرج من مطعم شاورما متجهًا إلى شاطئ البحر..واليوم في عزلتي الانفرادية عند البحر كنت أستأثر بمشاهدة النوارس قبل رحليها، ولكن للأسف رأيتُ كمّا هائلًا من الأسماك النافقة على امتداد الشاطئ مفقوءة الأعين....فمن أكل أعينها؟! الآن أفكّر في البطون النهمة التي تتعطش لفك حظر التجول لاستئناف الحياة من جديد؛ لشراء الأسماك الطازجة أوالوقوف في طوابير أمام محلات الوجبات السريعة المشبعة بالزيت في أعقاب الرجيم الاستثنائي. أمّا أنا فمنذ العزلة الاستثنائية لا أجدُ شيئًا يختلف عن شوربة الخفافيش.

استهلّ هذا العام صفحته بأهوال غرائبية وطرائف سوداوية. في تلك الأثناء وبينما كنتُ أتجوّل في أفكاري إذ بصوتٍ هزّاز سبّب صدع في رأسي وأخذ يصدح صداه في أذني: من المؤكد أنّ الأرض تضيق ذرعًا بالثقل الكبير على متنها وهي الآن تأخذ حصّتها من الراحة، وبلا شك أنها عازمة على التخلّص من الكائنات البشرية الزائدة، ومن غير المنطق أن تصارع من أجل البقاء. نظرتُ إلى الأفق المحجورعليه ثم أطلقت صيحة نفّاثة: أنا لستُ كائنًا زائدًا! ...فبلع السلمندر لسانه اللزج ثم صمتْ! لم يشعر أحد من عائلتي بغيابي رغم حظر التجوال الذي تعد مخالفته جريمة يعاقب عليها بالنفي. ذهبتُ بصحبة صديقي السلمندر ودون أن أنتبه أشعل المفرقعات النارية داخل مكبرات الصوت في حفلة رأس السنة، فأفسد الحفلة ومن ثمّ ألقي القبض علي بتهمة اصطحاب مجرم فار من العدالة إلى تجمّع بشري. وأمّا صديقي السلمندر فتسلل عبر شقوق الجدران مرورًا بأسطح الأحياء الخامدة ملتفتًا للجميلة ريم التي مارست عزلتها مع القمر ثمّ وصولًا إلى غرفة المعيشة في منزلنا وهناك عطس عطسةً نفّاذة في وجه عائلتي الذائبة فانشطر ذيله عن جسده، ثمّ أعلن عبر مكبّر الصوت من مئذنة الحي أنّ: الحي منطقة مغلقة إلى إشعار آخر في رأس السنة القادمة!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش