الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كورونا العطر الرخيص

تم نشره في الجمعة 10 نيسان / أبريل 2020. 12:00 صباحاً

القاص موسى إبراهيم أبو رياش

جلس في المقعد المزدوج أمامي رجل كهل، ويبدو أنه استخدم بإسراف عطرًا ثقيلًا رخيصًا؛ فشعرت بتحسس أنفيٍّ على الفور، وبعد أن انطلق الباص، زاد التحسس مع غزو الرائحة الثقيلة بسبب نسمة الهواء التي تدخل من الشباك. كتمت عطسة واثنتين، فأنا أدرك حجم الحرج، وخوف الناس من العُطاس في ظل أزمة كورونا التي تنداح سريعًا في دول العالم، ولم يحفظ منها الناس إلا عَرضَ العُطاس.

لم أستطع مدافعة العُطاس طويلًا؛ فأفلتت مني عَطسة حاولت محاصرتها بيديَّ قدر الإمكان، ولكن أثرها كان ملحوظًا؛ جاري في المقعد، نظر إليَّ شزرًا، وتزحزح إلى أقصى طرف المقعد، بحيث لم يبق من مؤخرته على المقعد إلا ما يقيها السقوط. الراكب المُعطر وجاره، تقدما بحيث التصقا بالمقعد الذي أمامهما.أما الراكبان خلفي، فلا أدري ما فعلا، ولكن شعرت بحركة وردة فعل.

خرجت العطسة الثانية قوية، ورغم مدافعتي لها، وكتمها بيديّ والمناديل الورقية، إلا أنها تسريت، وطَرطش رذاذها يديَّ، وربما تطاير جزء منها في الفسحة الضيقة أمامي. ردة فعل المجاورين لي، كانت قوية؛ جاري، وقف في ممر الباص، ومن أمامي غطيا وجهيهما بأيديهما، وربما فعل من خلفي مثلهما، أما المقاعد الأخرى، فلم تخلُ من تحركات وهمسات مستنكرة. سائق الباص -من خلال المرآة-قذفني برسالة تهديد.

قاتل الله العطر، وما جناه عليّ من عُطاس وزُكام، أدري أنه لن يزول قبل أيام، والأسوأ هذه النظرات المستقبِحة، وردود الفعل المستقذِرة والمتخوِفة. اندفعتْ العَطسة الثالثة بقوة لم أحسب لها حسابًا، وارتشَّ رذاذها في جميع الاتجاهات؛ توقف الباص فجأة بقوة وعنف. وقف السائق ينظر إليّ قائلًا: «يا حج، يكفي، تفضل انزل من الباص من غير مطرود». وتعالت الأصوات المؤيدة والمؤكدة لقول السائق. صحيح أنني كنت في عجلة من أمري للعودة إلى البيت؛ فقد كانوا ينتظرونني لأتناول برفقتهم طبخة خبيزة لا تُفوَّت، ولكني آثرت؛ اختصارًا للشر والمشاكل أن أنزل، وأُفوِّت الفرصة على الشيطان بإحداث مشكلة، قد تتطور إلى عراك وضرب والاستنجاد بالأهل والعشيرة.

لم يبتعد الباص كثيرًا، فقد نزلت قريبًا من باب مستشفى الأمير هاشم العسكري، وقلت في نفسي: لعله خير، لقد نسيت أن أسأل عن المجلات الجديدة في وكالة الدستور، فلأعد إلى هناك، فلن أستطيع العودة إلى السوق قبل أسبوع، كعادتي منذ تقاعدت. أخذت طريقي عائدًا إلى السوق، ودخلت شارع بغداد من بدايته قرب حلويات السهل الأخضر، وداهمتني عطسات صغيرة، نجحت بالسيطرة عليها، وما أن دخلت شارع السعادة، حتى ازدادت حدة العطس، وكنت أواريها بطرف سترتي، ولكنها ازدادت قوة وكثافة، فازددت لها تحجيمًا وسترًا، ولكن ما لفتني أن الناس من حولي بدأت تتهامس وتبتعد، وتشير إليّ كأني مجرم ارتكب جريمة شنعاء لا تغتفر.

واصلت السير باتجاه الغرب في شارع السعادة، لأنعطف عبر زقاق إلى وكالة الدستور، لكن العُطاس توالى، وسط ابتعاد الناس وخوفهم ونظرات الاستنكار والاتهام، ثم جاءت صيحات الاستهجان والصراخ، ودعا بعضهم إلى التصرف بإبلاغ الشرطة أو الدفاع المدني، فأعراض كورونا واضحة عليّ لا تحتمل الشك، أخذ البعض يتصلون من خلال أجهزتهم الخلوية، وبعضهم يصورون، وفجأة انقض عليَّ أحدهم من الخلف، وغطى رأسي بكيس كبير، رغم مقاومتي وحركات رأسي الرافضة المستنكرة، ولكنه ثبتني بعنف، واستعان ببعضهم، وأحكم وثاق يدي على عامود حديدي لأحد المحلات، وحتى لا أختنق، قام بثقب الكيس من الخلف؛ ليدخل الهواء بما يكفي لتنفسي، بعد أن أشار عليه بعض الحاضرين بذلك.

أخبرتهم بصوت مكتوم، أنني أعاني من حساسية أنف ومن ربو مزمن، فلم يأبه أحد بتفسيراتي، وقال لي أحدهم: «ليست مشكلتنا، فأنت تهدد صحة الناس وأمنهم، والمستشفى هو من سيحدد صحة كلامك أو عدمه». الغريب أن العُطاس توقف أو كاد. بعد ربع ساعة، حضرت سيارة الدفاع المدني، وطلبوا من الحاضرين فك قيودي، وإزالة الكيس عن رأسي، ثم رشوا على يدي وملابسي مادة معقمة، وسلموني كمامات لأرتديها، وطلبوا أن أركب السيارة بهدوء، أخبرتهم أني أعاني من حساسية ليس إلا، فقالوا، لن تخسر شيئًا، تفحص وتطمئن ونطمئن.

دخلت السيارة، وحولي عنصران من الدفاع المدني بلباس عزل وكمامات. اتصلوا بمسؤولهم، فجاءتهم التعليمات بنقلي إلى مكان الحجر المعتمد في الزرقاء، ولما أخبروني بذلك، جنَّ جنوني، وأعدت عليهم أني لا أشكو من شيء، وأنه العطر الرخيص الذي سبب لي العُطاس، لكنهم أخبروني بلطف أنهم يتبعون التعليمات، ولا بد من تنفيذها ولو بالقوة. تحسبت وحوقلت وصمت. كانت إشعارات الواتساب والماسنجر تنهال على جهازي، لكني كنت مشغولًا بورطتي، فلم آبه بها، وعندما رن جهازي، اضطررت للرد، فقد كان أحد الأصدقاء، يتأكد من صحة فيديو انتشر قبل قليل على مجموعات الواتساب والماسنجر والفيسبوك عن رجل خمسيني ملتحٍ، مصاب بالكورونا، يتعمد العُطاس وسط تجمعات الناس في شارع السعادة، ورأيت الرجل، فعرفت أنه أنت، فهل هذا صحيح؟ صدمني الخبر، ولم أستطع الرد، ولكنه عاود السؤال، فأجبته بأني أعاني من حساسية الأنف، ولم أتعمد العُطاس، وداريته قدر استطاعتي، ولكن الناس لم يصدقونني، وها أنا في طريقي إلى مكان الحجر الصحي. دعا لي بالفرج، وأخبرني أن المسبات والشتائم تنهال بالمئات على صاحب الفيديو، وتدعو إلى سجنه ومعاقبته. فحوقلت وأنهيت المكالمة، ودموعي تنهمر مبللة الكمامة.

عندما وصلت مكان الحجر، اضطررت للرد على مكالمة صديق ثانٍ، وأخبرني أن منصات التواصل الاجتماعي تضج بفيديو عن كاتب معروف مريض بكورونا، يتعمد العُطاس ونشر المرض وسط أسواق الزرقاء المكتظة، وكل الردود تتهمه بالإجرام، وتطالب الجهات المعنية بمحاكمته في محكمة أمن الدولة، بل إن بعضهم يطالب بإعدامه رميًا بالرصاص فورًادون محكمة. أنهيت المكالمة، وقد شعرت بدوار عنيف، سقطت على إثره على الأرض.

استيقظت بعد مدة لا أدري مقدارها، ووجدت فريقًا طبيًا ينتظر؛ليسجل معلوماتي، ويأخذ عينات لفحصها، أعدت عليهم سبب حالتي، فلم يهتم أحد، وأخبروني أن أنتظر هنا في الحجر لمدة أسبوعين، وسيوفرون لي الطعام والشراب والمنام الجيد، والمتابعة الطبية، والإنترنت، وأضافوا: «اعتبر نفسك في بيتك وزيادة، لن ينقص عليك شيء هنا».

اضطررت للصمت، فالواقع أكبر من حججي مهما كانت قوية، ولا مكان هنا لقناعاتي، بل للظنون والشكوك، فرعب كورونا أصاب بوصلات الجميع باضطراب، وكل عرض لكورونا فهو كورونا إلى أن يثبت العكس. آويت إلى فراشي من جديد، ورفضت تناول أي طعام، ولذت بالصمت والتفكير المضني فيما حدث؛ صدقوني لست غاضبًا على أي أحد، لا ركاب الباص ولا سائقه الذي أنزلني، ولا الشاب الذي غطى رأسي بالكيس وقيدني كمجرم، ولا من صورني ونشر فيديوهات تظهرني كإرهابي مدسوس، وخائن للوطن والأمة، وعميل للأعداء، ولا على الذين يطالبون بمحاكمتي وإعدامي، ولا على رجال الدفاع المدني، ولا على الفريق الطبي، ولا على الكوادر التي تدير مكان الحجر الصحي بحزم وصرامة، ولا على الأسبوعين الذين سأقضيهما محبوسًا في غرفتي، بعيدًا عن أسرتي وأشغالي واهتماماتي. نعم، أشعر بالتحيز لحجري في مدرسة، وغيري في فنادق خمس نجوم وبحر ورفاهية، ولكن الحجر حجر ولو كان في قصر من ذهب!

صحيح، أن الفيديوهات أساءت لي، وأظهرتني بصورة وحشية قذرة، لكني أعرف كيف أرد عليها، وأدير معركتها لصالحي من خلال بعض الأصدقاء؛ فالصور في معظمها مفبركة، والمدقق فيها سيعرف أنها ليست لي، مع وجود بعص الصور لي، ولكن صوري الحقيقية لا شيء مسيء فيها. وأنا على ثقة أن هذه الفيديوهات –رغم إساءتها- ستجعل مني نجمًا شعبيًا، وستضاعف طالبي صداقتي على الفيسبوك، ومتابعيني على تويتر، وكم آسف أن لا حسابات لي على التليغرام والأنستغرام واليوتيوب وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي. كما أنني على يقين من نتيجة فحوصاتي السلبية اليوم وغدًا وبعد أسبوعين، وحتى بعد سنتين، فما لي وكورونا وبرشلونا، وكوفيد وكوبرفيلد، ولا حتى ووهان ووهناك؟!

ولكن ما أغضبني وقهرني وأسخطني، ذلك الرجل الذي كان يحمل الكنافة في شارع السعادة، لم أدرك أنه جاءته الحمية والنخوة والشهامة؛ فقد أخرج أطباق الكنافة وحملها في يده، وتنازل عن الكيس الذي غطَّى رأسي دون أن أتوقع ذلك، يا له من نذل بخيل، بل مجرم خسيس؛ أما كان الأجدر به أن يتخلى عن الكيس بما فيه؟ أما كان الأولى أن يغطوا رأسي بالكيس وكنافته؟ فقد ملأت رائحتها أنفي رغم ما يعانيه من حساسية، وأثارت شوقي للكنافة. لن أسامح ذلك الرجل، إلا أن يُكفِّر عن ذنبه وخطيئته ويدعوني على قلاية بندورة بزيت زيتون من إربد!!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش