الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أقنعة الخطاب في الشعر والنثر الأدبيّيْن

تم نشره في الجمعة 10 نيسان / أبريل 2020. 12:00 صباحاً

د. إبراهيم خليل

لا جدال في أنَّ للخطاب الأدبي، شعره ونثره، مزية لا نجدها في أي خطاب آخر، فعلى الرغم من أن هذا الخطاب قد يحمل في ذاته توجها جماليًا غرضه امتاع القارئ، والتأثير فيه، وممارسة شيء غير قليل من الضغوط عليه ليقتنع بما يراه المؤلف صاحب الخطاب من آراء، فيغدو بعد الانتهاء من تلقي الخطاب ممتنًا للمؤلف، متأثرا به، يتبنى رأيه، أو- إن لم يتبناه- يقف منه موقفا ما، خلافيا، أو جدليا. وفي هذا شيء مما يسعى لتحقيقه صاحب الخطاب أيضا، فهو يرسل عبر خطابه رسائل مزدوجة الطابع؛ يقول شيئا ويعني، في الغالب، شيئا آخر، بينما تقول الكلمات شيئا ثالثًا. وفي هذه الحال يبَدِّلُ الخطاب وجها بآخر، كالممثل الذي يرتدي قناعا في أدائه لدور من الأدوار، ثم يغير هذا القناع عندما يناط به دورٌ آخر.

وفي هذه المقالة القصيرة نسبر غور نموذجين، أحدهما شعري غلب عليه في رأينا الخطاب الأنثوي، وآخر قصصي غلب عليه الخطاب النسوي. والاثنان لا يختلفان في أنهما يندرجان في الخطاب الأدبي، لا الإيديولوجي، ولا الفلسفي، ولا الاقتصادي، ولا الديني، ولا خطاب السلطة، أو خطاب الرعية.

نقْرأ قصيدة فدوى طوقان « هل كان صدفة» «- وهي قصيدة معروفة، مشهورة، طابعها العام، وغرضها المباشر هو الغزل، وهي، بلا ريبٍ، كأي قصيدة أخرى، نلمح فيها كل ما من شأنه توكيد توافر الخطاب الشعري ، ومزيَّته الأدبية، مع تضمينها خطابا آخر تعبّر عنه بالتلميح، لا بالتصريح:

هم يحسبون

لقاءنا محض صدفة

هل كان صدفة؟

من قال إنهمو يعلمون؟

أنت الذي يعلمُ

وأحمر الشفاه

والعِطْرُ والمرآة

وزينتي هي التي

تعلمُ، لا همو

فمَنْ يقرأ القصيدة دون تعيين اسم الشاعر، أو الشاعرة، يوقنُ- للوهلة الأولى- أنها لشاعرة أنثى، لا لشاعر، والسبَبُ واضح بالطبع، فالرغبة في التستّر على العلاقة بين المتكلمة والمخاطب من طباع المرأة في حياتِنا، ففي الأبيات إشاراتٌ لتسلُّل المتكلمة لقاعة الحفل الصاخب « دخلتها في غفوةٍ «ودارت بعينيها بحثا عن العاشق الذي كان قد تأخَّر، فعبرت عن ذلك تعبيرًا يُخفي أكثر مما يجلو، أو يُظْهر: « لم يكن قد ضمك المكان « ولهذا تجده « موحشًا « وبقدومه يرفُّ القلب، وهذا تعبير عن الرغبة في اللقاء مع امتزاج هذه الرغبة بالخوفِ، والحذَر « ورفَّ قلبي حين مست خطاك... أوتارَه « ومما يزيد هذا الإلحاح على التخفّي حضورًا حديثُ المتكلمة عن تغييب البسمة عن الشفاه، والاعتصام بالصمت، والتظاهر بانعدام المعرفة، والإلحاحُ على عدم معرفة الحضور بما بيْنهما من ترتيبٍ سابق، فتقول: « وكنتَ لي في وهْمهم.. مخلوقًا غريب الديار « وأنهم - أيْ: الحضور – في غفلةٍ عمّا بيْنهما من علاقة تكتنفها الأسرار. فأخبار علاقتهما العاطفية طيّ الكتمان « مخبوءةٌ « في روحيهما، لذا لا يعرف الحضور أن لقاءهما هذا متعمَّد، وأنَّ كلا منهما ضرب للآخر موعدًا في هذا الحفل البهيج. وقد يذهب بهم الظنُّ - مثلما تقدّر المتكلمة وتخمِّنُ – أن يعدوه لقاءً جرى بالصدفة، لا عن ترتيب مسبق. أما هو فيعلم بهذا اللقاء، وبالترتيب، والدليل على هذا الزينة التي تظهر على سيماء المتكلِّمة، والعِطْر الذي يَعْبقُ في الصالة المحتشدة، وأحمرُ الشفاه. كل هذا يجتمع في ذرْوة القصيدة، في الدلائل على أن اللقاءَ لم يكن مصادفة بل كان لقاءً غراميًا حُدّد له الموعد، والمكان، وتهيأ له كلٌ من العاشقة، والعاشق. فما هو الخطاب الضمْني الذي غلب على الخطاب الشعري ها هنا؟

 الخطاب الأنثوي الكتوم

من حيثُ نوعُ الخطاب هو خطابٌ أدبي شعريٌّ، وذلك ما لا جدال فيه، ولا خلاف، على الرغم من انخفاض نسبة المجاز فيه، فباستثناء الصالة المحتشدة، وامتد طرفي، وعينين ضحاكتين، وضمك المكان، والفردوس الموحش،ورفَّ قلبي، ومست خطاك أوتارَهُ، وبسمة شعَّت،وعين ناغت، علاوة على إسناد العِلْم للزينة، والمرآة، وأحمر الشفاه، وجلها استعارات ومجازات مسْتهلكة، لا جِدَّة فيها، ولا ابتكار، ولا حيوية، باستثناء ذلك، لا نجد إلا القليل من ركائز « الشعرية « فالوزن فيها يكاد يكون مغيَّبًا، وعلة ذلك أن التفعيلة في النصّ هي تفعيلة الرجز، التي يعتريها زحافُ الخبن (مُتَفْعِلُنْ)، وقد كثر فيها كثرة لافتة للنظر، مع اللجوء إلى الحذف في نهايات الأبيات، وهذا أشَاعَ فيها بعض النثرية التي تنحي الشعرية جانبًا. عدا عن ذلك لا نجد فيها ما يسمو بالطابع الشعري، ولكن الخطاب الذي يغلب على القصيدة، وهو الذي جرى تمريره للقارئ بطريقة غير مباشرة، هو الخطاب الأنثوي، فالقصيدة التي قيلت على لسان امرأة تخفي بعض ما تريد قوله فيها، وتلجأ للتعْميَة، والإلْغاز، وتُذكِّرُ الحبيب بأنَّ اللقاءَ لم يكن مصادفة مثلما يظنّ الآخرون، أو مثلما حملتهم هي على هذا الظنّ. وإنما كان لقاءً معدًا، ومحضرًا له، فهي اتخذت زينتها، وبالغت في ذلك، وتلك الزينة تشي – في الواقع- وتعلنُ، عما أرادت إخفاءه لو أن المحتشدين في الصالة تنبَّهوا لذلك. فهذا النوع من البَوْح بالرغبات المكبوتة لدى امرأة من الشرق ينمُّ على الحقيقة القائلة بأن المرأة الكاتبة، أو الشاعرة، عندما تريد البوْحَ بما لديها من رغائب، تَسْعى للتمْويه، والإخْفاء، والكتْمان، بدلا من التَصْريح، مما يضفي على الخطاب الأنثوي طابع الخطاب الكَتُوم، الذي يفتقرُ للشفافية. وهذا الطابع الراسخ فيه أحد المزايا التي يتَّصف بها هذا الخطاب، فالشاعرة فدوى طوقان تقول القصيدة في التعبير عن لقاء تصرّح من جهة، وتحاول الإخفاء من جهة أخرى، بل تؤكد أن نجاحها في خداع الحضور، الذين ظنوا اللقاء صدفة عارضة، دليلُ براعةٍ منها، وحِكْمة.

 الخطاب النِسْويّ المُعْلن

على أن الخطابَ الأنثوي - ها هنا- مختلف عن ذلك الذي يقال له، ويطلق عليه، وصف الخطاب النِسْوي، مع أن كثيرين يستعملون الكلمتين استعمال المترادفين. فالخطاب الأنثوي هو الذي تتجلَّى فيه طبيعة الكلام الأنثوي الذي يسعى لكتمان ما يريد قوله في الوقت الذي يحاول فيه الإعلان عنه، مراعيا بذلك القيود التي يفرضها المجتمع وأعرافه على الكلام الذي يتضمن في بعض الأحيان امتثالا للعرف الاجتماعي، أو انحرافا عنه.. أما الخطاب النِسْوي فهو صريح، ولا يبالي بهاتيك الأعراف، وغايته أن يُعلن عن حقِّ المرأة، لا في التعبير حسب، بل أيضًا في كل شيء مساواةً للآخر. ولهذا يصنّف الخطاب النسوي بصفته دعوةً للتحرُّر من هيمنة الخطاب الذكوري الذي تتكرر فيها مسوغات التحكُّم بالمرأة، وتصنيفِها – اجتماعيًا- مخلوقًا من الدرَجَة الثانية، وتبعًا لهذا التصنيف لا تتمتَّع بما يتمتع به الآخر من مزايا، وحقوق، فهي خلافًا لذلك تتعَرَّض لأشكال متعدِّدة من التمييز على صعيد الهوية (الجندرية) Gender، وهي أشكالٌ ترقى - في كثير من الأحيان - إلى درجة الاضطهاد الاجتماعي، والاسْتبعاد، والإقصاء، والاسْتلاب. على أن السؤال هو: كيف يعبر الخطاب النسوي ضِمْنيًا عن ذاته عبر الخطاب الأدبي، وكي تكون الإجابة عن هذا ممكنة، وواضحة، لا بد من قراءة نموذج من الخطاب الأدبيّ، وتناول أدبيته أولا، ثم نعرِّجُ على ما فيه من خطاب ضمني بعد ذلك.

سوءُ حظ

التقيته صدفة يوم أمس في أحد شوارع العاصمة، كان تعبا، لم ألمح في عينيه أية سعادة. وعلى الرغم من ذلك وقفت معه وإلى جانبي ابني المراهق المزعج. استعدنا بعض الذكريات. سألته عن أخباره

هل تزوجت؟

نعم

هذا جميل . وكم طفلا لديك؟

أطرق صامتا للحظات، ثم أجابني

ليس لدي أطفال. كانت هي السبب في عدم الإنجاب. زوجتي

ألم تتزوج ثانية؟

بالطبع تزوجت ست مرات وفي كل مرة كنت أطلق زوجتي بعد مرور سنتين على زواجنا دون إنجاب.

والآن؟

طلقت الأخيرة، وأبحث عن عروس بإمكانها أن تنجب.

لم أعلق على جملته الأخيرة ، فأنا أعرف تماما كيف يمكن أن يكون شعور رجل ساءه الحظ كثيرا بالزواج من ست نساء لا ينجبن؟؟

إذا تأملنا هذه الحكاية القصيرة، وجدنا فيها من إمارات التخييل، وعلاماته، ما يؤكد لنا أنها قصة لا تصف الواقع تمامًا، وليس الغرض من كتابتها، ونشرها، أن نقتنع بأن ما جاء فيها عن ذلك الرجل الذي تزوج ستا من النساء، ويبحث عن أخرى، خبرٌ حقيقي، جرى فعلا، وإنما هي حكايةٌ من اختراع المؤلف، أو المؤلفة، وقد تخيَّل راويًا يرويها لنا، وصديقا لذلك الراوي، أو الراوية، وحوارًا قصيرًا مقتضبًا يجري بين الاثنين اللذين تقابلا مصادفة في أحد شوارع العاصمة. فالقصة، من حيث هي خطابٌ سرديٌ، تتوافر فيها شروط السرد: الراوي، والشخصيتان، والمكان، والزمن الذي استغرقه اللقاء المفاجئ، واستعادة بعض الذكريات، والحوار الذي يلقي الضوء على خفايا الشخص الثاني، وأسراره. وقد نلاحظ ضعف هذه القصة لسببٍ هو قصرُها المبالغ به جدًا. فالخطاب السردي - ها هنا - من النوع الذي يوصف بالوَمْضة القصصية القصيرة. على أن الكاتب أو الكاتبة مرَّرا للقارئ موضوعا تجاوزا به التشويق الذي يتوخاه كتاب القصص في العادة، فقد أرادا إظهار البون الشاسع بين نظرة الرجل – الصديق هنا- للإنجاب، وهي نظرة منحازة للرجل ضد الأنثى، ونظرة الراوي. فالزوجة- في رأيه - هي التي تتحمَّل المسؤولية وحدها عن ذلك، في حين أن للطرف الثاني(الزوج) ملء الحرية في استبدال المرأة التي لا تنْجب بأخرى. وقد اطَّردت الحكاية على الرغم من قصرها، فعمد الرجل بعقليته المنحازة، وما يسانده من توافق اجتماعي متحيِّز، إلى الزواج مرارًا، دون أن يفكر، ولو للحظة واحدة، بأنه قد يكون مسؤولا عن عدم الإنجاب، مع أن الدليل واضحٌ وضوحَ الشمْس في نهار قائظ.

فالمؤلفة - ها هنا - تحتجُّ على هذا الموقف احتجاجًا يشيرُ إلى ما يلاحق النساء في المجتمع الشرقي من ضيْم، إذ ينظر إليهن على أنهن آلات للتفريخ، فإذا لم تقمْ هذه الآلة بما هو منتظر منها، ومطلوب، فلا أقل من أن تستبدل بأخرى، بعيدًا عن النظر بشيء من العقلانية لهذا الوضع الذي هو وضعٌ بيولوجي، لا يد لها فيه، مثلما لا يد للرجل فيه أيضًا. فالمجتمع الذي تهيمن عليه عادات، وتقاليدٌ منحازة للرجل، يضفي الشرعيَّة على هذا الموقف الذي يتخذه الرجل في القصة، مع أنه موقف خاطئٌ بلا ريب. لذا نجد الصديق يتحدث إلى الراوي عن زواجه بست نساء، وبحثه عن السابعة، حديثَ من يفْتَخر بما يقوم به، مع أنه ينبغي عليه أن يتوارى خجلا من عجزه، وقصوره، بدلا من ذلك التبجُّح. بهذه الطريقة بثّتِ الكاتبة أو الكاتب في هذه القصة حكاية- لا عن سوء الحظ - وإنما حكاية عن المظالم التي تلاحق النساء بسبب ذلك التحيز الذي تقِرُّه العادات, والتقاليد، وأعراف المجتمع وقيمه، حتى لكأنه هو القانون الذي يسري على النساء، ولا يسري على غيرهن، وفي ذلك ما فيه من اضطهاد لهن. فالعنوان « سوء الحظ « يقول ما لا تقوله القصة في الواقع، مثلما جاء في قصيدة «هل كان صدفة .. « عنوانٌ يقول شيئا، والشاعرة تقول أشياءَ أخرى. من هنا لا مندوحة لنا من الاعتراف بما ينطبع عليه الخطاب الأدبي من ازدواجية في المعيار، ومواربة في التعبير. علاوة على اعتراف آخر، وهو التبايُن اللافت بين الخطاب النسوي، والآخر الأنثوي، والتأكيد على أن النوع الأول يسلط الضوء على الخطاب الاجتماعي السائد، وينتقدُه، في حين أن الخطاب الآخر - الأنثوي - يسلط الضوء على الجانب البيولوجي، والنفسي السائد، وتأثيره في الخطاب الاجْتماعي أولا، وفي نفسية صاحب الخطاب ثانيًا، وما ينتجه من عِقابٍ يُسلط على النساء، وثمة فرق كبير بين الخطابيْن.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش