الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مَقامَـــــــة الجَـــــــرَادَة

تم نشره في الجمعة 22 أيار / مايو 2020. 01:25 صباحاً

نايف النوايسة

لوّح لي ممرور بن مسرور حين أبصرتُ به، وقال: لا تذهب، فلدي من الأنباء ما تفرح به وتطرب.

مرّ زمن لا أدري أطال أم قَصُر، وتلفتُّ هنا وهناك حتى ملّني الصبر. وفي لمحة كارتداد البصر رأيت ممروراً أمامي كالقدر. رائقاً كالماء الزلال، أو كالربيع حين يتيه مختالاً بأزهاره ونسائمه بكل دلال، وذكّرتْني إطلالته بالبحتري إذ قال:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً

من الحُسن حتى كاد أن يتكلما

قال ابن مسرور: جئتك من النصّات بن لقلاق بخبر يقين، وقد طاردته في الآفاق، وكان يركض مرة ويتلبّث حيناً بعد حين، وما أجمل أن ألقاه بعد طول تلبّث، وعربته لا تفارقه كعصا موسى، وينسى كلّ شيء إلاّ هي فهي بيمينه لا تُنسى.

أشّرتُ لممرور بن مسرور أن يُهوِّن على نفسه وأنفاسِه، وأن يجمع ما لديه من(ساسِه لراسِه)، فهذا المخلوق الذي تَسَمّى بالنصّات، ملأ الدنيا عجيجاً وحركات، حتى لم يعد يُعرف له صحوٌ وسبات. وصار حديث الكبار والصغار والحاراتِ، ولسان حاله يقول:

أنا فوضوي يا سيدي

فاقبلني بكل صفاتي

وهل يدري بأنني حين قبلته صديقاً، وتتبعته كظله زنقةً زنقةً وطريقاً طريقاً، فكنت أولى الناس للوقوف على أخباره، فقد لاحقته منذ بزوع نجمه وانفضاح أسراره.

كان ممرور بن مسرور يضحك تارة، ويصْفُقُ كفّاً بكف تارات، فعجبتُ من صنيعه وأنكرتُ عليه هذه الفلتات، فقال: لا تعجب ولا ما يحزنون، رأيتك تتحدث عن النصّات بحرارة وأنا به المفتون، ولا أدري أأبدأ الحديث أم أضيع بين الهوامش والمتون؟! قلت له: هاتِ ما عندك، وأرني ما اقتدحَ زَنَدُك.

قال ممرور بن مسرور مبتسماً، لما رآني قد ألقيت السمع مهتماً: طاردتُ النصّات حتى قعد مني غير بعيد، و(ألقى السمع وهو شهيد)، و(بصره اليوم الحديد)، وما حرّك إذّاك رأساً، ولا سمعتُ منه نَفَسَاً، فظننته قد جُنَّ فوق جنونه، وما فطنتُ إلى أنها حالة من حالات فنونه.

وعلى حين غرّة أمسك بدويبة حاولت منه الافلات، وراح يقلبها ذات اليمين وذات الشمال وفي كل الجهات. عاينْتُهُ بدقة لاستجلاء حقيقة الأمر، كانت جرادة بين يديه من رِجْلٍ مقتحمٍ الزروع والشجر. أمال رأسه إلى اليمين، وقال وهو يعلمُ، بأنها لا تتكلمُ: ما الذي أتى بك إلى هذه البلاد يا جرادة، أم أنك جئت إلى هنا (بحكم العادة)؟

نظرت إليه الجرادة بمئات العيون، وفتحتْ فماً مُلغّماً بأسنان كالسكاكين، وقالت له بثبات: لست وحدي يا مأفون، انظر إلى السهل فالجراد (من كل حَدَب ينسِلون). نظر النصّات من حوله، فرأى الدنيا قد داهمها الجرادُ، فخطر على باله قول الشاعر:

قد جاء قبلك يا جراد جرادُ

ما ظل في هـــذي المرابـع زادُ

أجال النصّات بنظره حوله وأحكم قبضته على الجرادة، حين أدرك أن السهل يفيض بالجراد على امتداده، فقال بصرامة تنم عن غضب شديد وألم: ومن تكونين بين هذا الجيش العرمرم؟ ظلت الجرادة ساكتة، فهزّها مرات ولم تتكلم.

انبرى واحدٌ من الجيش وجاء مندفعاً، وقال منفعلاً ومتسرعاً: هي الأميرة يا نصّات، ألا ترى ما حولها من القوّات، فلا تكن كما قال الشاعر:

لو كل كلب عوى ألقمته حجراً

لصار الصخر مثقال بدينار

أحاط الجراد بالأميرة كالسوار حول المعصم، لها عيون تلمع وفم لا يتكلم، فقال الجراد للنصات: اترك الأميرة وشأنها قبل أن تكون ساعة لا ينفع فيها ندم. نظرت الأميرة إلى النصّات بثبات، نظرات واضحة الإشارات، وقالت: اسمع أيها السيد، أنا الأميرة بلا ريب، إشارة مني ستكون ديارك من عالم الغيب، وأمي الملكة بالمطلق، تحكم ممالك الجراد من مغرب الأرض والمشرق، هي على مقربة مني تنتظر الأخبار، إشارة من جناحي سترى ما لا رآه الصغار والكبار، فماذا تقول، فالأمر جد مهول؟ قال النصات بن لقلاق، وقد أدرك أن الخطر يترصّد دياره في الآفاق: لن أتركك أبداً إلاّ بعدما أن أسمع ردّاً من الملكة الحكيمة العزيزة، على رسالتي المقتضبة الوجيزة، وسأُبينُ فيها حالة بلادنا الزريّة، وما آلتْ إليه أوضاعنا بالكليّة، ما قبل الكورونا وما بعد الهجمة الكورونية. قاطعته الأميرة حين قرأت في عينيه الحزن مضاعفا، وأدركت أنه من الفاقة والجوع بالكاد يصمدُ واقفا: اكتب رسالتك مُدعمة بالبراهين، مع أنني أرى بلادكم قاحطة رأي العين، وسأوشحها بتوقيعي مع شرح واقع الحال، وأحثها على الرحيل بلا تلبّث وإمهال.

قال ممرور بن مسرور بصوته الضعيف: ما أدق الموقف حين تُحارب من أجل الرغيف، مسكين النصّات حين راح يستعطف الأميرة: ستظلين عندي ضيفة معززة مُكرّمة، ولتحملْ رسالتي جرادةٌ أخرى متفهمة. وكتب النصات كلمات يتشقق لها الصخر حزناُ وألما، وفحواها:

«يا سيدتي ملكة الجراد: ألا ترين بلادنا الكئيبة، أكلتها الصحراء الرحيبة، فلا قمح ولا أعواداً خضِرةً رطيبة، ولا في المدى عشب وشجيرات وندى، فالناس في خوف وجوع وضياع، بعد أن أصبح الكورونا السيد المُطاع، وغلّق الأبواب والنوافذ والحدود، فكثر اللصوص في ساحاتنا، واحتلوا أرصفة شوارعنا وحدائقنا وحاراتنا، و(مصّوا) ما تبقى من دمائنا بعد ما سرقوا الكثير بحجة الوقفة أمام هولاكو الجديد المستجد، الكورونا واللصوص يا سيدتي احتلوا البلد.

يا سيدتي إنّا نُفتّش في التراب العقيم، عن بقايا ربيع قديم، تعالي وانظري واحفري وانبشي أرضنا اليباب ونقري، فلسوف تخافين أكثر من خوفنا، وقرري؛ فجرحنا أيتها العظيمة جد عميق، ولو وقفت على حالنا لأصابك أي غم وضيق، وسوف ترددين:

ذَلَّ من يغبط الذليـــل بعيــــش

رب عيش أخف منه الحمام

لقد دلّسوا عليك يا سيدتي وأخفوا عنك الحقائق، وصوروا لك بلادنا ذات زروع وحدائق، تقدمي خطوة واحدة وستجدين الدليل، عندها تذكّري قول من قال:

وليس يصح في الإفهام شيء

إذا احتاج النهار إلى دليل

جراد البشر لم يُبقِ ولم يذر، استحلّ كلّ شيء عند أهل الوبر وأهل المدر؛ فصادر رقصة المطر وقبلة النحلات لمباسم الزهر، و(لطشوا وخصخصوا) ما فوق الأرض وتحتها بدعوى الإصلاح، وفاح ريح الفساد وانتشر، حتى عدنا ك(هشيم المحتظر).

أوهموك يا سيدتي باللون الأخضر، وحقك أن تحضري، ألا تعلمين أنه طحلب الألم غطّى وجوهنا بالحزنِ الدفين، وملأ عيوننا بالدمع السخين، أنبكي على ما فات يا سيدتي أم نلطم الوجه من آت مُشين؟ وكلاهما مُرٌّ، وبالمختصر، هاكِ ما نثره الشاعر: (لا يوجد مستقبل في بلد يتمدد فيه الفقر كما يتمدد ثعبان في الرمل).

عودي يا سيدتي فليس أمامك إلاّ فيافٍ لا رواء فيها ولا زاد، وقساطل من غبار ورمل وامتدادات من رماد، فالفاسدون ما تركوا لنا شيئاً، ومن يُشبهون؟ حتى:

فرعون أكرم عهداً في سياسته

من مستبدين لولا الظلم ما خلقوا

عمّ الفساد، وصار واحدُنا أيتها الملكة: شحّاداً (ينطحه) شحّاد. وبكت الجرادة الأميرة وبكى معها الجراد؛ فالرسالة مؤثرة في تشخيصها لحالة العباد، وطلبت من أحد أعوانها إيصالها للملكة كالبرق، ووشحتها بعبارة حزينة، (حال الناس هنا ايتها الملكة كما قال الشاعر:

ويح الفقير مما تراه يلاقي

سدت عليه منافذ الأرزاق

عصفت وبسربه ريح الشقا

فتساقطوا.. كتساقط الأوراق

وردّتِ الملكة في الحال: لقد أوجع قلوبنا مما أنتم فيه من مصائب، فلا أدري كيف تقيمون في أرض لأقرب الوصف لها أنها خرائب، كنا سنقيم عندكم يوماً أو بعض يوم ووجهتنا الشمال، فلم نجد عندكم ما يُقيم الإودَ، ولا البقاء ثواني عددا، وها أنا أوعزت لجيشي الجرار بأن يغادر هذه الديار، وترفّعْنا أن نكون عوناً للفاسدين عليكم، فكفاكم من البلاء ما حلّ بين ظهرانيكم.

وينقل ممرور بن مسرور صورةَ ما رأى، وكأنه فوق الملوية في سُرّ من رأى، فقال: كان النصات فرحاً حين شاهد جحافل الجراد تتراجع القهقرى، وقرأ ما بقي من رسالة الملكة:

ومن خلال التمحيص والتحليل والاستقصاء، ومما فعلته بكم الكورونا من رعب وتباعد وعزل وضنك وعناء، ومما بان من لوثة الفاسدين عندكم من مصّ الدماء، وغش وتدليس واختلاس إلى حد الانهيار والافلاس، وتمرير قرارات ومال سياسي لشراء وبيع الناس، والأنكى من ذلك غياب العدالة، فلا الرجل المناسب في المكان المناسب، وصار التوريث عندكم مصيبة من المصائب، فالقانون لا يُطبق على الجميع، فضاعت حقوق عامة الشعب أيما تضييع، وهذا مُنذرٌ بضعف النظام، وما أدراك ما المصير في نهاية المقام؟! ألا يصدق على بلادكم ما قال الشاعر:

«الغَرْغَرينا» لم تَكُنْ لو لم يكُن

جُرحُ البلادِ مُبطَّناً بفَسادِ!

وبدون استطراد، بتنا نحن معاشر الجراد، نخشى أن نكون وجبة مجانية لفقرائكم، وقد نكون سلعة رائجة في دكاكين أغنيائكم، وما نخشاه هو أننا إذا حططنا الرِّحال في بلادكم، سنكون حجة للعكاريت لقضم ما بقي عندكم، ثم يتقدمون صفوفكم ويعلنون أنفسهم بأنهم حُرّاسكم وأسيادكم.

يقول ممرور وقد بان على وجهه السرور: استرخى النصات وأبدى الحبور وهو يقرأ من رسالة الملكة بقية السطور: لو دخلنا بلادكم يا نصّات قد نكون لاجئين بلا وكالة، وسنكون عليكم ثِقال الدم وعالة، وستقيمون لنا مخيما كبقية المخيمات، هذه شيمتكم لمن سُدّت بوجوههم الآفاق والطرقات.

لا يا سيدي، سنترك بلادكم الآن، فارسل الأميرة ولكم الأمان، أعانكم الله على بلادكم وكنا نظنها تَدُرُّ راحة بال وسعادة، فوجدناها موطناً للفقر و»الطقر والنقر والقَرادَة»، ويصدق عليكم المثل(إِجَتِ الحزينةُ تِفْرَح ما لَقَتْ إلْها مِطْرَح).

يقول ممرور بن مسرور: فأطلق النصّات بن لقلاق الأميرة، وغادرت أسراب الجراد الديرة، ولبس كمامته وكفوفه، وفيروس الكورونا يطارده ولا يرحم ظروفه، وعاد بعربته إلى أزقة المدينة، وهو ينشد للفقراء قصائده الحزينة:

«ولا عيب إلا عيبُ من يملك الغِنى/ ويمنعُ أهلَ الفقرِ فضلَ ثرائهِ/ عجِبتُ لعيب العائبينَ فقيرهَم/ بأمرٍ قَضاهُ ربُّه من سمائه/ وتركِهِمُ عيبَ الغنيِّ ببخله/ ولؤمِ مساعيه وسُوءِ بلائه/ وأعجَبُ منه المادحونَ أخا/ الغنى وليس غِناهُ فيهمُ بغنَائِهِ».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش