الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عبد الرحمن الأبنودي

كامل النصيرات

الخميس 23 نيسان / أبريل 2015.
عدد المقالات: 648

كلّما ترجّل فارسٌ و هوى من فوق جواد الريح أشعرُ بشيء من الغربة ..ليس لأنني أبحث عنها في أي زقاق ؛ بل لأن الغربة حساب نفس و شريط ذكريات..
مات عبد الرحمن الأبنودي ..الشاعر الذي كان يحوّل كل نبضةٍ شعراً ..ويجعل من أية التفاتةٍ قصيدة ..مات وسط جماهيره و محبيه بعد أن عايش الويلات و النكبات و الهزائم و صاغ منها مشروعه الشعري المليء بالحزن و حكايات الابطال الشعبيين ..
ولأنني ابن قرية ملأتني بتفاصيل الفقر و الحرمان و المقاومة و الهمّة العالية ..فإن حكاية أي شخص قروي يصبح علماً ؛ تشدني ..و قرية (أبنود) الصعيدية التي دفعت ابنها عبد الرحمن إلى (القاهرة) و بعثته سفيراً للفقراء ..و نقيباً للتفاصيل الشعبيّة ..و حمّلته الطين تعويذة عن أعين الحسّاد ؛ و قرأت عليه ما تيسّر لها من آيات دفع البلاء ..و بخّرته بمزيد من السُّمرة و الطيب ..هي ذات القرية التي كانت تلملمُ أخباره برأس مرفوعة و بنشوة عارمة كلّما هبط عليه وحي الشعر و أهداه قصيدة جديدة تطير في الآفاق و يتلقفها الناس الفقراء كما يتلقّفون أنفاسهم و طعامهم ..!!
ليس من السهل في مصر أم الدنيا أن تأتي من قرية بعيدة و تصبح فيها نجماً لا يخبو حتى بالموت ..مصر لها طقوسها ..فإذا لم تكن صادقاً لن تصل إلى البسطاء ..لأن في مصر لا يصنع نجوميّة أبناء القرى إلا البسطاء ..ولا أُدخل في الحسبة نجوم السياسة لأنهم نجوم وهميّون مهما علوا و احتلوا منزلةً من السماء ..فالسياسة ألاعيب و فرص مكان فرص ..أما الشاعر و الأديب فليس معه إلا قصيدته التي إما تحفر له الطريق و تعبّده له أو تحفر له القبر المجهول فيسقط فيه بأوّل الطريق ولا يذكره الناس ..
سيبقى الابنودي شاهداً على هزيمة السبعة وستين ..وستبقى مصر على الترعة تغسل شعرها ..و سيبقى شعره يقول التوبة و ترميه المقادير ..وستبقى عمته (يامنة) في تفاصيلنا ..وسيبقى ابن قرية أبنود في حياته الثانية يصرخ فينا كلّما اشتد الخطب ..
وداعاً يا عبد الرحمن ..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش