الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وداعًــــا لفكــــرة المـــلاذ

تم نشره في الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2020. 12:00 صباحاً

 د. غسان اسماعيل عبدالخالق

في أعوام الطفولة الأولى ولأسباب عديدة، حلم كثير منا بذلك المكان الأليف اللطيف الذي يجود علينا دائما بما نأكل ونشرب دون عناء، ونستلقي في أي زاوية منه لننام بطمأنينة وراحة بال كلما أدركنا النعاس. ولعل بعضنا جسد هذا الحلم بخيمة نصبها في ركن من أركان بيته أو غرفته. ولما كبرنا قليلا، واكتشفنا لذة القراءة، أعدنا العثور على ما يشبه (بيت الشجرة) الذي شيدناه في أعالي خيالنا، من خلال الاطلاع على (روبنسون كروزو) و(جزيرة الكنز) و(أليس في بلاد العجائب) و(أوليفر تويست).

ولما صرنا في سن يسمح لنا بالذهاب إلى دور السينما ، تعزز شغفنا العتيق بفكرة الملاذ، وتعلقنا بكثير من الأفلام التي تستند إلى حبكة الحصن الحصين والقلعة المنيعة، حتى كادت الفكرة تفقد بريقها الأخّاذ، لكثرة ما أنتج من أفلام توثق الأحداث والمفارقات التي يمكن أن تقع لشخص أو أشخاص يقطن / يقطنون مكانا فوق أو تحت الأرض، ويكتظ بكل ما يمكن أن يحتاج إليه الإنسان من تقنيات أو أسباب لإدامة الحياة.

ورغم أن بعض الدول قد سارعت فعلا لترميم وإعادة تأهيل الملاجئ الباذخة التي كانت قد شيّدتها إبان الحرب الباردة للاحتماء من الحرب النووية، وعرضتها للبيع مقابل أثمان باهظة جدا فور اتساع رقعة الإصابة بفيروس الكورونا، إلا أن تحول المنازل نفسها إلى ملاجئ قسرية تكتظ بكل ما حلم الناس بأن يحشدوه في بيوت خيالهم هو ما لم يحسب له أحد حسابا من قبل.

لقد بدّدت جائحة الكورونا فكرة الملاذ تبديدا نهائيا، وحوّلت هذا الحلم الوردي إلى كابوس مقيت لأكثر من سبب؛ فمن جهة أولى أكدت الجائحة تهاوي وهم نجاة النخبة على حساب فناء العوام، إذ فضلا عن سقوط هذا الحل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فقد وجدت كل حكومات العالم نفسها مضطرة للتفكير بحلول جماعية مُلزمة وقاسية. ومن جهة ثانية أكدت الجائحة أن الإنسان ومهما بذل من جهد، لتحويل تجربة الاحتجاز القسري في البيت، إلى ضرب من ضروب الفردوس المفقود، ليس أكثر من واهم مأفون ، حتى لو أحاط نفسه بكل ما يحتاج إليه من أساسيات أو كماليات، لسبب بسيط يتمثل في حقيقة أن سحر الملاذ يكمن في أننا نفتن به في حلم يقظة أو قصة أو رواية أو فيلم، ولكنه على أرض الواقع ليس أكثر من عقاب يحولنا إلى كائنات رتيبة وكئيبة. ويظل من الضروري التساؤل عن أسباب استبداد فكرة الملاذ بنا إلى هذا الحد الضاري، أي إلى حد إنتاجها وإعادة إنتاجها عبر كثير من الأعمال الأدبية والسينمائية ؛ وأحسب أن الحنين إلى رحم الأم الدافئ الهانئ الحنون هو السبب الأول! كما أحسب أن التعلق بأسطورة الفرد الناجي أو النخبة الناجية هو السبب الثاني، وأما السبب الثالث فأحسب أنه يتمثل في أننا لم نختبر قبل الكورونا المعنى الحقيقي للوحدة والعزلة، فرديا وجمعيا، ولو أننا اختبرناه فعلا لفضلنا العيش في الهواء الطلق والشوارع والميادين، حيث ينتشر الناس ويتعالى ضجيجهم الجميل!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش