الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

3/6 رؤية غالب هلسا للأدب والفن

تم نشره في الجمعة 3 تموز / يوليو 2020. 12:00 صباحاً

د. محمد عبدالله القواسمة

ينطلق غالب هلسا في رؤيته للأدب، من اعتقاده أن النظرية الأدبية ليست ثابتة ولا مقدسة حتّى ولو كان هو نفسه من أطلقها، بل إنّه يعجب من الذين يتمسكون طوال حياتهم بفكرة واحدة. لهذا نراه أحيانًا يلتقي وعلماء التحليل النفسي في أنّ كلّ كتابة «استمرار لرغباتنا الأولى المكبوتة والمقموعة» وأحيانًا أخرى يلتقي وأقطاب النظريّة التعبيريّة، في أنّ الأدب تعبير عن تجربة وفيض داخلي من الانفعالات والرؤى والصور التي تتخذ نسقًا يدعى الشكل، وفي هذا اقتراب من قول الشاعر والناقد الإنجليزي وردزورث في تعريفه الشعر بأنّه «فيض تلقائي لمشاعر قويّة».

يلفت انتباهنا ضمن هذه الرؤية اهتمام غالب هلسا في أعماله الإبداعية والنقديّة بالعالم الداخلي للإنسان، فهو مخزن لتاريخ الجنس البشري والمملكة الحيوانيّة، لهذا يدعو الأدباء إلى الكشف العميق عن هذه القارة المجهولة. ويلجأ غالب هلسا إلى التحليل النفسي في معالجاته النقديّة، ففي نقده مجموعة ماجد أبي شرار القصصيّة «الخبز المرّ» يستند إلى التحليل النفسي في تفسير عملية إبداعها، وتحليل نصّها، وكأنّها وثيقة نفسيّة واجتماعيّة.

وقد لحظ شكري عزيز ماضي، وهو يدرس النسق الروائي في رواية الخماسين، أن غالبًا يفهم الإبداع بأنّه عمليّة فرديّة، وأن مصدر الأدب أو ينابيع الخلق تكمن في داخل الذات أو في اللاوعي والخيال، «وهو في هذا يلتقي مع مقولات التحليل النفسي الفرويدي وتحولات نظريّة التعبير الرومانسية».

لكن نجده، في أحايين كثيرة، يبتعد عن هذه النظريّة، ويعود إلى رؤيته المركزيّة للأدب التي تنضوي تحت لواء الواقعية الاشتراكية؛ فيرى» الفن أهم وسيلة للمعرفة الإنسانيّة، وأنه يعيد بناء الواقع حتى يتيح للمتلقي أن يدرك واقعه بعمق». بهذا يساعد الفن أو الأدب الإنسان على اكتشاف ذاته، ومعرفة الآخرين، والانفتاح على المجتمع. ونلمح هذه العودة في رفضه نظريّة الكلاسيكيين الجدد في أن يكون الفن صورة فوتوغرافية للواقع، ويصف العمل الفني الرديء بأنه هو الذي نشعر كأنا قرأناه قبل ذلك، بينما العمل الجيد هو «الذي يفرغ الشكل من محتواه القديم، ويجعله مقتصرًا على المحتوى الجديد».

ولعلّ ما يلقي الضوء على فهم غالب هلسا للأدب والفن ما جاء في حديثهعن حالة الرواية والقصة في مصر لدى كتاب الستينيّات من القرن الماضي؛ فقد لحظ أنّ المدرستين السائدتين في ذلك الوقت، وهما: المدرسة الرومانسية، والواقعيّة الاشتراكية العربيّة لم تردّا على تحدّيات الواقع، وأنهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة، إذ استعارتا أنماطًا إنسانيّة أوروبيّة من القرن التاسع عشر، وألبستاها ثيابًا عربيّة، فامتازتا بالثرثرة الانفعاليّة الزائفة، وكانتا متفقتين في عدد من السمات الرئيسيّة في التناول والرؤية، وهي:

التزامها بالمفهوم الأساسيّ للقصّ، أيّ النفاذ من الظاهر المضلّل إلى الحقيقة الواقعيّة.

استعارت المدرسة الرومانسيّة نماذجها الإنسانيّة من الأدب الأوروبي، وهي ليست مأخوذة من الواقع، وكذلك المدرسة الواقعيّة الاشتراكيّة العربيّة فقد تبعتها في ذلك مع تغييرات شكليّة لا تصل إلى الجوهر، أي الإنسان الواقعيّ الحي.

لم تحاولا تجاوز المواضعة الاجتماعيّة السائدة؛ فجاء احتجاجهما على الواقع بسبب تمرّد هذا الواقع على المواضعة الاجتماعية.

العجز عن الإقناع للأسباب السابقة.

اتسام اللغة والمكان بالخطابيّة والفخامة، مما أبعد المتلقي عن تعرّف الواقع، بل إلى الهروب منه. كان مفهوم هذا الأدب تعليميًّا، يُخضع الواقع لأفكار ثابتة وعلى الحياة أن تطيعها.

والخلاصة في رؤية غالب هلسا للأدب والفن أن المقدّس الوحيد عند غالب هلسا هو الإنسان، وأن أهم وظائف الإبداع الأدبي والفني اكتشاف هذا الإنسان، والغوص في أعماقه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش