الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تطبيقات معاصرة على الضرر الأدبي

تم نشره في الجمعة 3 تموز / يوليو 2020. 12:00 صباحاً

الدكتور حارث محمد سلامة العيسى *

أولاً: الضرر الأدبي الناشئ عن العدول عن الخطبة أو فسخها:

الخطبة هي وعد بالزواج، على المسلم أن يفي بوعده وعهده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [2-3: الصف].

قد يترتب ضرر على العدول عن الخطبة مثل:

أ. إعداد الجهاز أو ترك العمل بالنسبة للمرأة.

ب. تجهيز السكن والأثاث، وهذه كلها أضرار مادية.

أما الأضرار المعنوية: فهي ما يترك في نفس الخاطبة أو المخطوبة من جرح للمشاعر والأحاسيس، ونشر الشائعات والكذب من كل منهما عن أسباب العدول عن الخطبة؛ الأمر الذي أراه أكثر إيلاماً من الضرر المادي.

- في كتب الفقه القديمة لن تجد مثل هذه المسألة، وربما لأنها لم تكن موجودة بالصورة التي هي عليها الآن. وإذا ما نظرنا إلى الخطبة في هذه الأيام وجدنا أن علاقة الخاطب بالمخطوبة أقرب ما تكون إلى الزوجة؛ فهو ينفرد في الجلوس بها، من غير محرم؛ ويخرج مع خطيبته خارج المنزل، الأمر الذي يترتب عليه ضرر يلحق بالمرأة عندما يعدل الخاطـب عنها، ولا يتم الزواج بها.

والضرر الأدبي الناشئ عن العدول عن الخطبة يتمثل بـ:

1. الخروج مع الخطيبة أمام الناس.

2. الخلوة بين الخاطب والمخطوبة ولساعات متأخرة بعد منتصف الليل.

3. اطلاع الخاطب على ما لا ينبغي له أن يطلع عليه من مخطوبته.

4. الكذب وإطلاق الشائعات، وتشويه السمعة والسيرة أمام الناس.

ومن هنا نقول: حتى إذا كانت الخطبة وعداً غير ملزم بالزواج ويجوز العدول عنها، هذا لا يمنع ترتب الإثم إذا كان العدول من غير سبب وجيه، فهذا الأمر يبقى قائما بين العبد وربه، وإن لم تكن هنالك مؤاخذة ومحاسبة مباشرة أو عقوبة رادعة في الدنيا.

غير أن هنالك بعض التصرفات والأفعال التي تصدر من البعض خاطباً كان أو مخطوبة تلحق ضرراً أدبياً بالمشاعر والأحاسيس، كما لو أن الخاطب قدح في دين وخلق المخطوبة، أو في عرض أو شرف مما يسيء إلى المخطوبة إساءة أدبية، أو أشاع عنها عدم سلامة بدنها وأن بها برصاً أو حروقاً... إلخ، وكان العدول دون مسوغ شرعي مقبول، فإنني أرى في هذه الحالة والله أعلم ضرورة التعزير والمؤاخذة والمحاسبة على هذا التصرف بما يراه القاضي مناسباً الأمر الذي يزجر المرتكب لهذه التصرفات ويؤدبه، لا بالغرامات المالية كما رجحنا سابقاً والله أعلم.

الضرر الناتج عن العدول عن الخطبة في مثل هذه الحالات ليس هو المقصود لذات العدول، وإنما المقصود هنا ما يصاحب هذا العدول من أضرار أخرى نتيجة لفعل وتعدي الشخص الذي عدل عن الخطبة([96]). ومعلوم لدينا أن الذي يعدل عن الخطبة بدون مسوغ شرعي يتحمل تبعات هذا العدول كاملة: فإذا كان الخاطب هو الذي عدل فإنه يقوم بدفع نصف المهر المتفق عليه في عقد الزواج عند إبرامه، وإذا كانت المخطوبة هي التي عدلت، فإنها تتنازل عن مهرها كاملاً حتى أنها ترجع للخاطب أي شيء أخذته منه على حساب المهر، إضافة إلى أن بعضهم ألزم عليها إعادة حتى الهدايا التي قدمها لها الخاطب أثناء فترة الخطوبة؛ لأنه قدمها لها على أساس أنها زوجة في المستقبل وهي التي لم ترغب في إكمال الحياة معه كزوجة في المستقبل.

ثانياً: الضرر الأدبي الناشئ عن الطلاق:

الطلاق: هو نهاية الحياة الزوجية، وقد تطرأ أسباب تستدعي كلاً من الزوجين أن يطلب الفراق من قرينه الآخر، وهذا بالتأكيد يلحق أضراراً مادية ومعنوية بحق الطرف الآخر.

فقد يكون الرجل هو الذي يوقع الطلاق على الزوجة، وربما تكون الزوجة غير راغبة في حدوث الطلاق ، وقد تكون الزوجة هي التي تطلب الطلاق، وتنفر من زوجها ومن الحياة الزوجية على خلاف الزوج، وربما تخلع الزوجة نفسها منه، وقد يكون الزوج غير راغب في حدوث الأمر الذي يوقع ضرراً معنوياً على كليهما في الحالتين السابقتين.

لذلك قرر الله سبحانه وتعالى أن الذي يطلق زوجته قبل الدخول ولم يكن للمرأة سبب في ذلك أن لها نصف المهر وبعد الدخول لها المهر كاملاً، يقول الله تعالى: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[237: البقرة].

ومن هنا يقول أبو زهرة في كتابه الأحوال الشخصية: «إن وجوب نصف المهر للمطلقة قبل الدخول، فيه معنى التسريح بإحسان الذي أمر سبحانه وتعالى حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً)[49: الأحزاب]، ولأن الفرقة قبل الدخول تجرح نفس المرأة فأوصى الله سبحانه وتعالى نصف المهر لها. فدل ذلك على أن الضرر الأدبي يؤخذ به، وفي هذه الحالة -حالة طلاق الرجل لزوجته قبل الدخول أو بعده- عقابه مادي حتى يكون أكثر انضباطاً، هذا فيما لو كان الزوج هو الذي يرغب بإيقاع الطلاق دون مسوغ شرعي مقبول.

أما لو كانت الزوجة هي السبب في الطلاق فإنه يسقط حقها في المال وفي الأثر النفسي؛ لأنها هي التي ترغب بالطلاق وقد يكون الزوج غير راغبٍ بالطلاق. وفي حالة الخلع: فإن طلب الطلاق يكون من جانب الزوجة، وأن الضرر يكون واقعاً على الرجل لذلك شرع الخلع وهو عبارة عن مبلغ من المال تدفعه الزوجة لزوجها مقابل الطلاق، بحدود المهر أو أكثر أو أقل دفعاً للضرر الواقع من الزوجة على زوجها والله أعلم.

من كل ما سبق يتضح لنا أن الشريعة الإسلامية راعت الضرر من خلال التعويض المالي في العدول عن الخطبة أو في الطلاق، وإن كان هنالك أيضاً ضرر أدبي واقع لا ينكره أحد، والشريعة الإسلامية ضبطت هذا الأمر لأهميته وكثرة وقوعه- العدول والطلاق- بالتعويض المالي، وهنالك بعض الأفعال والتصرفات التي تلحق ضرراً أدبياً كما أسلفنا سابقاً، فلا تكون العقوبة عليها مالية وإنما تعزيرية، بما يراها القاضي ابلغ بالزجر والتأديب والله أعلم.

* كلية الدراسات الفقهية والقانونية، جامعة آل البيت

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش