الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

صبر مختلف

تم نشره في الأربعاء 8 تموز / يوليو 2020. 12:00 صباحاً
صفية البكري


البرد لعين كذكرياته... الضيق يثقل على صدره...
مذعورا... يجلس بين أشيائه القديمة، ينظر الى الصور المعلقة على جدار حائطه، مرآة صغيرة داخل ساعة حائط تواجهه، تعكس ملامحه...
ها هي التجاعيد تغزوني دون رحمة، بات كجرح متعفن فاضت على ضفتيه قيوح قديمة... غرفته تعمها الفوضى، الوان متناثرة في كل مكان، كؤوس فارغة فيها آثار قهوة، أعقاب سجاير، أزاح بيديه ستارة النافذة التي غطتها الاغبرة، فأحالت لونها الحقيقي الى لون أثير عنده دائما.
كتب متهرئة الاوراق تكدست في زاوية الغرفة وتحت المقاعد... كانت ألوان اللوحات التي أزاحها من مكانها قاتمة يغلب على ألوانها السواد.
حاول نفض ما عشعش من غبار على ما تناثر من جواربه الملقاة على ارض الغرفة، حتى الجورب الذي ارتداه كان يلائم ألوان ما سيحمل من لوحات ليعرضها على الزبون... أحد حذاءيه لم يعد مكانه، يذكر أنه وضعه تحت مقعد يجاور مقعده الذي أجلس ألوانه على راحته...
رائحة الفراغ تكدست في طلائع غرفته... صمت قصير أطبق على تفكيره... لعله أراحه قليلا من عناء الحزن الذي ما يزال يقبع على صدره، يتحول أنينه الى أنشودة تصدح على شفاه الاطفال أمثال طفلته التي تكبر تحت شمس بلاد بعيدة عنه...
الدقائق تمر ثقيلة، الطعام يلفظ برودته ونكهته، الساعة تقترب من نهاية الوقت الذي حدده لخروجه وتسليم لوحاته، أضحت الريح العاتية تعبث بتماسك كتل الغيم، تطارد أجزاءها المفككة، مانحة الشمس بعض الفرص لتهريب أشعتها الى الارض التواقة الى الدفء... حمل لوحاته ثم خرج محكما اغلاق بابه الحديدي.
ماء المطر تسرب الى جسمه، عبر ملابسه التي تشبعت به ليلامس جلده، تاركا لتلك القطرات فرصة التزحلق على لوحاته دون اكتراث... صدمت قدمه قطعة زجاج، احتضنها بيديه، توقف فجأة، عاد مسرعا الى منزله، تاركا لوحاته على حافة الرصيف مخبأ لبعض القطط التي أكرهها.
الغيوم السوداء ما تزال تكتسح أديم السماء كليا منذرو بمطر غزير لن يكف عن السقوط لايام عديدة... غضبه المتراكم تحت قشور الصبر يتفجر بقسوة، يريد العودة...
نفض أشياءه في حقيبته، لم ينس جوربه المفضل حتى فرشاته المتهرئة التي جلبت له حظا في ذلك اليوم لم ينسها.
فتح نافذة الغرفة لخروج عطر ما، لم تكن قطرات الماء التي بها ملابسه قد جفت حينما انهال على قدميه زجاج النافذة، متذكرا اللوحات التي تراكمت من تحته، حاول ازاحة ما استطاع رغم ما انتابه من انهاك.
لم ينتبه للصورة الصغيرة التي سقطت من جيب بنطاله... حاول اغلاق النافذة باحدى لوحاته المبللة، تناول الصورة من أرض الغرفة، مسحها من اللون الدخيل عليها، احتضنها وبكى، لم يدرك وقتها هل اللون الذي اكتسحها هو احد ألوانه أو هو دماء قدميه.
الذي فضله دائما... لم يكن ليبعد عن قدميه شظايا تلك النافذة حينما كان يبكي بصبر لم يعهده...

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش