الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تجليات روح المقاومة في روايتي «أوراق هارون» و«عائدة إلى أثينا»

تم نشره في الجمعة 10 تموز / يوليو 2020. 12:00 صباحاً

هدى أبو غنيمة
«أوراق هارون» موسوعة توثيقية للهوية والمأساة العربية الفلسطينية، من خلال أسرة يافيّة أُجبرت على الهجرة، شأن كل أسرة هجّرت من فلسطين لتعيش في مخيمات الشتات، ويصبح أهل الأرض وأصحاب الحق «إخوة المخيمات». وتدور أحداث الرواية في يافا حتى 14 مايو 1948، وتبدأ أحداثها نهاية العهد العثماني وخلال الانتداب البريطاني وبداية الهجرة الصهيونية، كما تدور في مخيمات الشتات، حيث ولد يامن بن هارون سلامه، وهو رمز الجيل الجديد في مخيم «الداعوق» في لبنان، ذلك المخيم الذي مسح عن الوجود في حرب المخيمات عام 1985، وتمتد الأحداث إلى مدينة «غنت» في بلجيكا بعد أن سافر يامن ليدرس الحقوق.
والملفت للنظر في رواية أوراق هارون، كما في «عائدة إلى أثينا» اختلاط الشخوص الحقيقية بتلك التي من صنع خيال الروائي، ولعل هارون هو عامر نفسه، وللسم دلالة، فهارون هو أخو النبي موسى، وعرف هارون بالحكمة واللين وإجادة الخطابة. أراد الكاتب الإشارة إلى عراقة تاريخ الأرض في الزمان والمكان، وزيف رواية الغريب مما استدعى قول محمود درويش: «سلّم على بيتنا يا غريب».
تجاوز الكاتب في «أوراق هارون» الرواية الرسمية للمأساة التي حفلت بها الصحف والدوريات والخطابات الثورية المجلجلة، باعثاً الحياة وسمات الهوية في كل تفاصيل الحياة، موثقاً التاريخ الشفوي لحياة الناس ومفردات عيشهم، وحكاياتهم، وأحلامهم، وأمانيهم، ومرسلاً رسائل إنسانية البعد أهمها: الرد على الرواية الصهيونية القائلة أن فلسطين أرض بلا شعب، وأن الفلسطيني لم يترك أرضه وبيته وبياراته بطوع أمره، فقد مارس العدو عليه أسوأ مما مورس على اليهود في محارق النازية، ومعتقلات «أوشفتس»، قتلاً وتعذيباً وتهجيراً، مؤكداً أن الفلسطيني عاشق للحياة ومنفتح على الآخرين، وهو إنسان له قلب محب، ومشاعر مرهفة، ولا يسعى إلى الموت.
وما قصة يامن رمز الجيل الفلسطيني المسلح بالعلم والخبرة واتساع الأفق، وعلاقة الصداقة والحب الملتبس بأحاسيس الغربة، وحاجة الإنسان إلى من يؤنس غربته سوى تفسير لحبه لياردينا اليهودية، والعضو الناشط في تجمع يناصر القضية الفلسطينية في «غنت»، ثم انتهاء هذه العلاقة، وكأن جوف الفلسطيني بألمه الدفين قد أصبح قبراً جماعياً للأحزان والآلام المزمنة والطارئة. أما كان من حقه أن يحب؟ ويؤكد الروائي في «أوراق هارون» على أن مأساة فلسطين إنسانية البعد والجذور والجغرافيا، ليوقظ الضمير الجمعي الإنساني، وحق الفلسطيني في الحياة على أرضه بسلام وأمان.
وتتجلى هذه الروح المقاومة مرة أخرى في رواية «عائدة إلى أثينا»، وتتوهج الذاكرة لتعيد لمعنى الوطن دلالاته البليغة للفلسطيني الذي أجبرته أقداره على الإقامة فيه، ولكن لماذا اختار طهبوب أثينا؟ وما هي الإضافة بعد روايتي: «في حضرة إبراهيم» و «أوراق هارون»، وثق فيهما روائياً محنة الشتات وذاكرة المكان والإنسان، وللعنوان دلالات: «عائدة إلى أثينا»، وقد يستدعي ذاكرة القارئ إلى «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، و «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف، يختزنها الكاتب في إطاره المعرفي، ويمثلها ليضيف رؤيته وتجربته ومنظوره الثقافي، لكن «عائدة إلى أثينا» تحمل في مضمونها دلالات جديدة أبرزها، أن أثينا عاصمة الحضارة اليونانية التي كانت أول حلقة وصل من سلسلة الحضارات الإنسانية، وثانيها أن شعوب منطقة البحر الأبيض المتوسط متشابهون في المزاج، والمناخ، ومحبة الحياة، والثقافة التي هي نمط الحياة، ولكن الطارئين القادمين من وراء البحار لاحتلال هذه المنطقة ليسوا من أهلها، والأمر الثالث أن البحر الأبيض المتوسط يصل بين أثينا والموانئ الفلسطينية والعربية على الأرض التي مثلت ضمير العالم لنزول الرسالات السماوية على أرضها.
تروي «عائدة إلى أثينا» حكاية رلا التي خرج أبوها من قضاء عكا وهو في الرابعة من عمره، ليعيش في مخيم برج الراجنة في بيروت، ثم يتزوج فلسطينية من ترشيحا ويكوّن عائلة، ثم تتاح له فرصة العمل في دولة الإمارات العربية المتحدة، فيذهب إليها بعد مرحلة من المعاناة في المخيم، وتكبر ابنته هناك، وبعد حصولها على الثانوية العامة تتاح لها فرصة الدراسة في أثينا عبر مساعدة منظمة التحرير الفلسطينية، فتستقر في اليونان، وتتزوج من مهاجر فلسطيني زواجاً لم يدم طويلاً وتنجب منه ولدها سامي الذي التحق بالجيش اليوناني. وحينما تقدمت لنيل الجنسية اليونانية بعد سنوات من الإقامة والعمل والدراسة، احتفلت مع ابنها من على هضبة «ليكافيتوس» بالمناسبة السعيدة وهي ترقب العلم اليوناني الذي يرفرف على قمة «الأكروبول» وتنظر إلى الموقع الذي ألقى منه كوستاندينوس كوكيدس حارس العلم نفسه في الحرب العالمية الثانية عندما دخل الألمان أثينا، وطلب منه ضابط ألماني أن يصعد لإنزال العلم اليوناني، ويرفع مكانه العلم النازي، صعد الشاب وأنزل العلم اليوناني ليلفه على جسده، ويلقي بنفسه من على قمة الجبل. تذكرت رلا علم الاحتلال الذي لا بد أن ينزل يوماً عن الصواري، وارتحلت بروحها الحرة وأملها إلى وطنها الأم في فلسطين، قائلة لابنها: «العبيد ما بحرروا أوطان، علشان تحرر وطن، لازم تحرر نفسك أول، كلما حظيت بمزيد من الحرية والكرامة، اقتربت من وطني أكثر».
كلما تحررت الروح، وضحت صورة الوطن، فقرة هي بمثابة مفتاح رؤية الكاتب، سردها طهبوب بحزن شفيف، يترقرق بين السطور، موثقاً تاريخاً لا يرى بالأعين وإنما بالقلوب، فيتجاوز خطاب الضحية، مبرزاً خطاب الذات المقاومة المحتفية بالحياة، والقادرة على إثبات حضورها في كل مكان، ويقول الروائي على لسان أحد شخوصه: «فرض علينا القدر ألا ترتبط أعمارنا بتاريخ ولادتنا وتاريخ وفاتنا، وإنما بأرضنا وموعد عودتنا، الحياة باقية لا تتوقف، سنذيب المحيط فينا، ولن نتحول إلى نقطة تذوب في محيط، مهما تشتتنا في بقاع الأرض. شواهد قبورنا تؤكد وجودنا واستمرار احتمالنا قسوة الغياب».
تمتلئ الرواية بالإشارات إلى بوصلة الوطن، ولو حمل الفلسطينيون كل جنسيات الأرض، ورغم أقدار الموت والحياة، فهم يستندون إلى وطنهم الحي، وعندما تعود الأرض يعيدون النظر في مفاهيم الموت والحياة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش