الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في الذكرى الـ 48 لاستشهاد غسان كنفاني

تم نشره في الجمعة 10 تموز / يوليو 2020. 12:00 صباحاً


د. إبراهيم خليل
صادفت الأربعاء الماضي الذكرى الـ 48 لاستشهاد الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني (1936- 1972 ) الذي ولد في 9 نيسان من العام المذكور في عكا، وكان ميلاده في أثناء الثورة المعروفة تاريخيا باسم ثورة الـ 36 التي كتب عنها لاحقا بحثا أكد فيه أن الشعب الفلسطيني قدم فيها نحو 5 آلاف شهيد، ونحو 15 ألف جريح، عدا المعتقلين وهم بالآلاف. وبسبب وظيفة الأب كتب على أسرة الشهيد مغادرة عكا إلى يافا والاستقرار في أحد أحيائها المعروف باسم حي المنشية ليلتحق هناك بمدرسة الفرير التي كانت تهتم بتدريس اللغة الفرنسية. وتشاء الظروف أن يكون حي المنشية هذا من أوائل الأحياء التي سقطت بأيدي الغزاة الإسرائيليّين مما حدا بالعائلة للعودة إلى عكا. وبقيت الأسرة فيها إلى ليلة 27 نيسان من العام 1948 عندما اضطرت كغيرها من العائلات للنجاة بالارتحال في شاحنة مستأجرة شمالا في رحلة مأسوية عبر عنها غسان لاحقا في إحدى قصص مجموعته « أرض البرتقال الحزين « (1963).
استقرت عائلته فيما بعد بدمشق، وفي مخيم اليرموك عمل غسان معلما في إحدى المدارس التابعة لوكالة الغوث، وكانت مواهبه في الرسم وفي الكتابة قد بدأت بالتفتح. ويقال إنه شارك في أحد المعارض الدولية بدمشق عام 1954 وشوهد أمام جناح فلسطين. وفي العام المذكور غادر إلى الكويت للعمل مدرسا للرسم تارة وتارة للتربية البدنية في المدرسة الواقعة في حي السالمية. وهناك أقام مع عدد من الشبان الفلسطينيين الذين لا يقل عددهم عن سبعة في شقة واحدة. ومما سمعه من أحاديث تجاذبها أولئك الشبان استوحى حبكة روايته الأولى « رجال في الشمس» 1963. وفي العام 1960 أي بعد 6 سنوات عاد من الكويت ليستقر في بيروت. وكانت قد غلبت عليه ميوله نحو الإعلام والصحافة، لذا وجد عملا في صحيفة الحرية، وهي صحيفة يومية ناطقة باسم حركة القوميين العرب. وبقي فيها إلى عام 1963 ليعمل بعدها في جريدة المحرر اليومية الناصرية، وبقي في هذه الصحيفة 4 سنوات أشرف خلالها على ملحق أسبوعي للمحرر باسم فلسطين. انتقل بعد المحرر للعمل في يومية « الأنوار « اللبنانية، واستمر فيها إلى 1969 وأسهم باستمرار في ملحقها الأدبي الأسبوعي باسمه تارة، وبأسماء مستعارة تارات أخر، منها فارس فارس. وفي 26 تموز من العام المذكور أصدر مجلة « الهدف « الأسبوعية التي ظل رئيس تحريرها إلى أن استشهد في 8 تموز من العام 1972 بتفجير سيارته أمام منزلة ببيروت.
وكان قد شارك في مؤتمر طلابي بالعاصمة اليوغسلافية في العام 1961، وفيه تعرف على الآنسة الدانماركية آني هوفر Anni التي رافقته في جولات بمخيمات اللاجئين، وانتهت العلاقة بينهما بالزواج في أقل من عشرة أيام، رزقا بعده باثنين من الأطفال فايز وليلى.
 اهتمامات
حظيت سيرة غسان كنفاني وأعماله وآثاره بعناية الكثير من الدارسين والباحثين والروائيين. ومن أوائل الدارسين فاروق وادي الذي جمع بينه وبين جبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي في دراسة واحدة أودعها كتابه القيم ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية؛ غسان كنفاني وجبرا وإميل حبيبي. ومنهم إحسان عباس وفضل النقيب وإلياس خوري الذين كتبوا عنه ثلاث دراسات صدرت في كتاب جماعي بعنوان « غسان كنفاني إنسانا وأديبا ومناضلا «. وكانت فصول هذا الكتاب قد نشرت في عدد خاص هوالعدد رقم 13 من المجلة الشهرية شؤون فلسطينية. ومنهم الروائية الناقدة رضوى عاشور التي نشرت عنه كتابا مستقلا بعنوان « الطريق إلى الخيمة الأخرى «. مستوحية هذا العنوان من حوار جرى بين السارد وأم سعد في روايته الموسومة بهذا العنوان تقول فيها أم سعد للراوي: « خيمة عن خيمة تفرق «. وهو كتاب جمع بين الطابع السياسي الإيديولوجي والنقد الثقافي الأكاديمي،.مما يجعل منه مصدرا ومرجعا لا غنى عنه للباحثين في الأدب الفلسطيني عامة وأدب كنفاني بوجه خاص.
ومن المهتمين الدارسين لآثاره يوسف سامي اليوسف الذي صنف كتابا بعنوان «رعشة المأساة» درس فيه جل آثاره. وفيحاء عبد الهادي التي درست أعماله في كتاب بعنوان «وعد الغد»، وتوفيق كيوان، ومصطفى الولي الذي درس آثاره في كتاب خاص بعنوان «غسان كنفاني دراسة في جوانب من أدبه « 1993 علاوة على صاحب هذه السطور الذي عرض لرواياته: رجال في الشمس(1963) ، وما تبقى لكم(1965)، وأم سعد (1969) وعائد إلى حيفا (1970) في كتابه «في القصة والرواية الفلسطينية» الصادر عن دار ابن رشد بعمان 1984(ص 99- 144) وتناول بشيء من الشمول عطاءه القصصي مبتدئا بموت السرير رقم 12 (1961) مرورا بـ أرض البرتقال الحزين (1963) ومجموعة « عالم ليس لنا « منتهيا بمجموعة « عن الرجال والبنادق « 1968 معتمدا على مجلد الأعمال الكاملة الذي أصدرته دار الطليعة ببيروت. وأعاد النظر في روايته الأولى رجال في الشمس دارسًا الطابع الرمزي فيها، وقد نشر هذه القراءة الجديدة في كتابه تأملات في السرد العربي الصادر عن دار فضاءات بعمان 2010(ص 45- 53). واهتم الكثير من الباحثين، ومعدي رسائل الماجستير، والدكتوراه، وواضعي المؤلفات المختصة بالرواية العربية، أو بالرواية في بلاد الشام، أو برواية المقاومة، برواياته وبما فيها من ريادة، مثلما اهتم بآثاره المعنيون بالقصة القصيرة. ومثل هذه الاهتمامات يصعب استقصاؤها، وحصرها، في مقال معتدل الاتساع كهذا.
 عبد الرحمن ياغي
ولأستاذنا المرحوم عبدالرحمن ياغي كتاب شيق ممتع عن جهود غسان القصصية، والروائية، صدر في بغداد 1983 عن قسم البحوث والدراسات اللغوية والأدبية التابع للمنظمة العربية للثقافة والعلوم والتربية في 176 ص وخمسة فصول؛ أولها عن ميلاد غسان كنفاني، والثاني عن غسان رساما وقاصا، والثالث عن المفاجأة القصصية في قصصه القصيرة، والرابع عن البنية في قصصه القصيرة، والخامس والأخير عن مسيرة غسان الروائية، تتبع فيه د. ياغي رواياته من رجال في الشمس إلى روايتيه غير المكتملتين: الأعمى والأطرش، وبرقوق نسيان. وفي هذا المقال الذي نحاول فيه إحياء ذكرى الراحل الشهيد لا نريد أن نعرض الكتاب عرضا تقليديا كالذي يعرفه القراء، ولكننا نتخذ منه منطلقا - لا أكثر - للحديث – مجددا- عن تجارب غسان في الرواية بصفة خاصة، وفي اعتقادنا أن هذا يبدو أمرًا مهما في هذه الآونة التي أصبحت فيها كتابة الرواية عمل من لا عمل له، وأصبح نقد الرواية موضوعا يتدرب فيه ناشئو الأدب ممن لا يفرقون بين الرواية والسيرة.
 رجال في الشمس
والمعروف أن غسان كنفاني في روايته الأولى « رجال في الشمس « استخدم- فيما نظن ونحسب - لأول مرة تقنية سردية كنا نتمنى من أستاذنا الدكتور ياغي أن يلتفت إليها، وأن يشير نحوها بصفتها ريادة سيكون لها ما بعدها في الرواية العربية، فقد استخدم الكاتب ما يعرف في علم السرد بتقنية زوايا النظر points of view فهو يختار فيها عددا من الشخوص(أسعد، ومروان، وأبو قيس) يخصص لكل منهم حيزا في فضاء النص. وفي هذا الحيز تبرز الشخصية وتؤدي دورا، وتروي ما جرى من وجهة نظرها هي، لا من وجهة نظر الراوي، أو الشخصيات الأخرى(1). وبذلك يكون غسان كنفاني قد عمَّم بهذه الطريقة استخدام ما يعرف بالمونولوج أو الحوار الحر غير المباشر. ورافق ذلك توظيفه للكوابيس والأحلام واستعادة الماضي في ما يعرف بالمفارقة السردية، والاسترجاع المباشر وغير المباشر، المتسع منه والضيق.
أما الرمز، فقد توافر في هذه الرواية في غير صورة. فالشاحنة أو الصهريج رمز، والصحراء التي استأثرت باهتمام روجر ألن (2) رمز أيضًا، والسائق – أبو الخيزران- الخصيّ هو الآخر رمز، إذ يرمز به الكاتب للقيادات التقليدية التي ثبت عجزها في قيادة الشعوب، ومع ذلك لا تفتأ تتحدث عن الرجولة وتحاول استغلال السلطة لتحقيق المكاسب. فبعد أن ألقى بجثث الصرعى على مكبٍّ للنفايات عاد إليهم ثانية، وجردهم من ساعاتهم، ومما بقي في جيوبهم من أوراق نقدية قليلة لا تسمنُ ولا تغني من جوع. ورمز بالطيور السوداء التي تحلق في سماء المشهد للنهاية التعِسة، والخاتمَة التراجيديَّة، للشخوص(3).
 ما تبقى لكم
كذلك عمد في روايته « ما تبقى لكم « 1965 لاستخدام طريقةٍ جديدة في السرد تأثر فيها- وإن لم يكن لدينا الدليل على صحة هذا الانطباع- بما شاع، وانتشر، من استخدام مُفرط للمونولوج الداخلي، وأسلوب تيار الوعي. وهو أسلوبٌ قد يكون اطلع عليه من قراءته لترجمة جبرا إبراهيم جبرا لرواية الأمريكي وليم فولكنر الموسومة بعنوان الصخب والعنف Sound and the Fury علاوة على استخدامه الرُموز. فالساعة ترمز للزمن البائس، زمن الفلسطينيين، وحامد يرمز للعائد الأول الذي تغلب على عدوِّه وجرَّده من السلاح، و زكريا يرمز للخيانة المُنْتنة. وعلى الرغم من أن الرواية رواية قصيرة بحيث تعد من النوفيلا Novella إلا أنها بُعيْد صدورها حظيت بردود فعل نقدية إيجابية، وتأثر بها عدد غير قليل من الروائيين، ممن فُتنوا بطريقة المؤلف في سرده المتقطع، وتيار شعوره المتكَسِّر. ولا تخلو روايته « عائد إلى حيفا « من مثل هذه الريادة، ولا روايته أم سعد. ويكفي أن نشير للدلالة على قيمة عائد إلى حيفا لقيام بعض الروائيين كأحمد حرب، وإياد شماسنة، بكتابة روايات جديدة مستوحاة من عائد إلى حيفا؛ كرواية « بقايا « ورواية « الرقص الوثني «.
 حضورٌ لافت
ومن هذا يتضح أنَّ لغسان كنفاني حضورًا في الأدب العربي الحديث طاغيًا، فهو يعد رائدا من رواد القصة القصيرة، ومجلدهُ في هذا النوع الأدبي الذي حظي بتقريظ د. يوسف إدريس - وهو من هو في كتابة القصة القصيرة - لا يخفى على قارئ متابع، ولا باحث متخصص غير متنطع. وآثاره في الدراسة الأدبية لا تقل عن آثاره في غيرها. فهو أول من عرَّف القراء العرب قاطبة بأدب المقاومة في فلسطين، بل هو أول من سكَّ مصطلح المقاومة، وأطلقه على هذا الأدب. وهو أول من عرفنا بالأدب الصهيوني، وما فيه من عنصرية مفتعلة، ممجوجة، ومقززة، تصل حد الغطرسة. وقد أصبحت كتبه في هذين المجالين منطلقاتٍ لكتبٍ أخرى صدرت في بيروت، ودمشق، والقاهرة.
وصفوة القول، أننا، ونحن نحيي ذكرى الشهيد كنفاني بهذه الكلمات، لنذكُرُهُ وفي أذهاننا دويُّ ما قاله محمود درويش في رثائه، وتأبينه: « أيها الفلسطينيون .. احذروا الموتَ الطبيعيَّ، هذه هي اللغة الوحيدة التي عثرنا عليها بين أشلاء غسّان كنفاني «.
 هوامش:
وهذا ما غفل عنه للأسف محمد نجيب التلاوي في كتابه وجهة النظر في روايات الأصوات العربية. فقد عزا ريادة هذا النمط السردي لآخرين وهو خطأ- لا ريب - في أنه ناتج عن عدم التثبت.
    وهو مؤلف كتاب الرواية العربية مقدمة تاريخية ونقدية، ترجمة حصة منيف، ط1، 1986، بيروت ص 112
    انظر كتابنا تأملات في السرد العربي، ط1، فضاءات للطباعة والنشر، عمان، 2010 ص 45- 53

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش