الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كوابيس تمشي على قدمين

تم نشره في الجمعة 10 تموز / يوليو 2020. 12:00 صباحاً
ناصر الريماوي

1
هبط «سلفادور دالي» على كتفي برفق، كفراشة،
ثم تغمدني بعينيه المذعورتين وشاربه الخيطي المقوس، فأعاق الصف الطويل على انتظاره الصباحي لزبائن البقالة الميتة في الحي.
قال لي في هلع وهو يتلفت في كل الاتجاهات: أعطني سيجارة.. لن أحتمل البقاء مكشوفا في هذا الصف حتى يحين دوري.
تأملت بيجامته المقلمة، الرثة، وقلت: لماذا.. أين المشكلة؟
قال بهلع وهو يرتجف: سيقتلني «مهيب البرغوثي» في أية لحظة سانحة..!
ثم أضاف وهو يحشر شاربيه في أذني: ألم تسمع؟ منذ يومين فقط كان يسير برفقة «زياد خداش» في شارع «ركب»، قبل أن يستل قصيدته النصلية، ذات القضاء المبرم والحقوق المحفوظة ويطعن بها «زياد»، لقد طعن بها صديقه.
صاح رجل وراءنا تأخر دوره بالصف: يا حاج.. لا كمامة ولا تباعد وبالبيجاما أيضا.
تجاهله «دالي» بنظرة جانبية قانطة، ثم عاد يصب ذعره في وجهي ويقول: «مهيب» يرعبني.. فهو حين يغادر مقهى «رام الله» في شارع «ركب»، يظل وجهه معلقا في فراغ المقهى لساعات.
مهيب، يتكىء على أعمدة الشوارع عن عمد وتحد في البحث عني.
استدارت عيناه حول رأسه وقال منكوبا: مهيب.. يريد قتلي.
هو من أعدم «سيلفيا بلاث»، ودرويش، وإميل حبيبي.. وغيرهم، وأقام لنفسه مختبرا جديدا للموت، وهو الآن يبحث عني.
واصل هامسا: «مهيب» يدعي بأنني أذهب إلى حفلات الكوكتيل بالبيجاما. وهذا عار عن الصحة.
قلت: وماذا تنوي أن تفعل يا حاج «دالي»؟
قال هامسا في حذر: سأقتله أولا.. سأعدم «مهيب» بلوحة سوريالية جديدة، قبل أن يقتلني بحقوق موته المحفوظة، أو مختبر موته الجديد، فهو لن يتوانى عن فعل ذلك إن استطاع.
صاح رجل أرعن في آخر الصف: يا الله.. تحركوا، هل نحن موتى لنظل على وقوفنا هكذا؟
نظر إليه دالي في حنق، ثم تأمل طابورنا الطويل الواصل إلى فوهة البقالة المعدمة، وما أصابه من خلل بالغ، وقال في هلع: أليس هذا «مهيب»؟
نظرت إلى حيث أشار، فلم أر أحدا.
هز رأسه في ضجر وصاح بي: هات سيجارة من فضلك ودعني أذهب.. قبل أن أقتلك.أو يقتلنا «مهيب».
2
الفضاء من حولي بدا غريبا ومثقوبا، تتسرب منه ألوان الشفق القطبي بتوهج لا يحتمل، أعماني في البداية.
كنت أقف برفقة زميل، أعياني سكونه أيضا.. ولا أدري لماذا.
وكنا بانتظار حافلة، يبدو أنها تأخرت بالوصول.
يضيق الرمل من حولنا بلا كثبان، على اتساع المدى، رغم وقوفنا على أحد جانبي الطريق الصحراوي ببروده الصافي.
تصل الحافلة ويندفع الجميع إلى داخلها، أهرب من عواصف الشفق الضوئية نحو المقعد الأخير.
صيحة ترحيب مفاجئة من شاب عشريني وعناق حار، أتأمله قبل أن تنقصف ركبتيّ أسفل منّي وأنا أتبين ملامح وجهه جيدا. صاح مرة أخرى: مرعوب؟ أم أنها المفاجأة؟
تذكرت هذا الشاب، كان صديقي فيما مضى، لكن أمثاله لا يرجعون..!
ارتبكت وسال مني عرق كثيف.
سألت زميلي الذي أعرفه بفزع: ألا ترى ما أراه؟ أليس هذا هو
«ابراهيم سمرين».. ابن حارتنا؟
أم أنني أتوهم وجوده.
شد على أسنانه وقال هامساً في أذني: أسكت.. ودع هذه الرحلة تمر بسلام، سترى الكثيرين غيره، ولا داعي لتذكيرهم بما يحاولون نسيانه، ستجرح مشاعرهم لا محالة.
وهج الإنارة القطبية يتسرب من نوافذ الحافلة ويعميني.
بعض الوجوه تنصهر وتسيح تحت حرارة الوهج، أحاول أن أصرخ ولا أقدر، صدري الثقيل يحبس صيحاتي كلها، حتى أكاد أختنق، أتمتم: عن أية رحلة تتحدث؟ ألسنا في إحدى حافلات النقل العام؟
يفح زميلي بنفاذ صبر ويقول: ما بك؟ نحن نخطط لهذه الرحلة منذ سنة مع هؤلاء الضيوف.. الغور، نهر الأردن وفلسطين على الجانب الآخر، ثم طبقة فحل وانتهاء بالحمّة.
أفقت على صوت نسائي يصيح بلا تحفظ: حبيبي، ما شاء الله، أصبحت رجلا يكبرني بثلاثين عاما على الأقل..
أتذكر يوم ولادتك جيدا.
ثم عانقتني صاحبة الصوت بحميمية وشوق.
نظرت للمرأة، لم تكن سوى «خالتي» التي رحلت عن هذه الدنيا منذ عقود، رأيتها صبية في العشرين.
بدا لساني ثقيلا وصدري يكاد ينفجر من صرخاته الحبيسة، ولا يتسع لأية مقولة من شأنها أن تدور في ذهني.
ربتت على كتفي بحنان وقالت: لم أتوان عن الحضور لهذه الرحلة، حين قالوا لي بأنك ستكون فيها.
ثم غاصت بين ركاب الحافلة وهي تبتسم بحنان كبير.
أدركت بأنني أتوهم و «أهلوس»، لكنني فرحت لرؤية خالتي، كان هذا قبل أن يصدمني زميلي بقوله: أنا دعوتها.. ألست سعيداً برؤيتها هنا؟!
صحت فيه: هل كان هذا حقيقياً؟ ألم أكن «أهلوس»؟ّ!
ثم اندفعتُ نحو تلك الصبية في وسط الحافلة، حضنتها طويلا حتى ارتاح صدري وتخلص من صرخاته الحبيسة كلها، شعرت بهذا رغم فداحة الوهج القطبي المتسرب نحونا.
سمعتها تقول بحب خالص: لقد سامحتك.. أنا على يقين الآن بأن الاحتلال قد منعك من زيارتي كغيرك.. الأهم هو أننا التقينا أخيرا.
شعرت بارتياح سرعان ما تحول إلى اضطراب وتنغيص: هل أكون ميتاً؟
فتحت عينيّ فوجدت رجلا يجلس في منتصف الحافلة وقد تحلق حوله معظم ركاب الحافلة، حتى خالتي تخلصت من عناقي وذهبت إليه.
سألتُ زميلي الذي هبّ لنجدتي: من هذا الرجل؟
رد بفخر واعتزاز: هذا «محمد الدرّة».. لمْ يخذلني وحضر.
صحت: «محمد الدرة».. الشهيد؟
رد: نعم.
قلت: لكنه استشهد طفلا..!
جرني رفيقي إلى آخر الحافلة، وقال موضحاً: الشهداء يكبرون، وحدهم من يكبر ويواصل عمره، من بين الذين تراهم الآن.
ارتفع الضجيج وتفشى الوهج القطبي من حولي وأنا أجاهد كي اتحاشاه قدر المستطاع، كان النداء يتركز في أذني وينسكب دافئا: «إصحى بابا.. إصحى»..!
تحاملت على نفسي وأنا أسبح في عرق يغطي رأسي ووجهي ووسادة الكنبة في الصالة، فتحت عينيّ كان وهج التلفاز الذي ظل مشتعلا طوال الليل يواصل هدر العتمة ويثقب سقف الصالة وجدرانها،ويعصف في رأسي
3
المقاعد الجلدية تحت مظلة الصفيح المكيفة تنوء بالناس، لكنهم يتفرقون من حولها لدى وصول الحافلات دون الصعود إليها.
الحافلات «مبندقة» محلياً، لتغدو أكثر راحة وأماناً، ويطل منها «سواقون» يرجون المارة بلطف بالغ أن يصعدوا إليها، ربما تتناقص أعداد الركاب بتزايد عروض النقل المجزية، وترف الذهاب إلى العمل أو عدم الحاجة.
أصعد إلى متن الحافلة الأخيرة حتى لا يفوتني الحلم.
يا إلهي.. السائق خلف مقود الحافلة، وزير سابق لفظته التشكيلة الوزارية منذ عامين، ولم يترك لنا سوى بصمات ملامحه الوقورة على شاشات التلفاز.
معاونه المتأنق ببذلة «الفيرزاتشي» الداكنة، وبارفان «الجوكومو» برلماني معروف، ولدورات عدّة، عيناه تسحان دمعا سخياً لشدة الترحيب والدعاء لنا، عرفته على الفور من أذنيه البارزتين.. الطينية والعجينية.
أعطيته أجرة الطريق، عشرة قروش فقط، فمنحني علبة عصير وثلاث قطع بسكويت مشكلة، وهمس في حياء: «شوي بس وأرجّع لك الباقي»..!
همست للراكب المجاور لي، مستهجنا: منذ متى وهذا الغلاء بيننا؟
رد بتشف: «خليك تستاهل.. مين قالك تحلم؟!»
الحافلة تخرج عن نسق الطريق، لتختنق باليافطات التشجيعية على مدخل محطة البنزين، يملأ الوزير خزانها بالوقود الخالي من الرصاص مقابل حفنة صغيرة من القروش، قبل أن يطمره العامل بهدايا المحطة وعطايا الحكومة، التشجيعية.
تمضي الحافلة، يهز السائق (الوزير الأسبق) رأسه وهو يصيح بنا: آخ لو أعود إلى متن الحكومة مرة أخرى، لضاعفت الهدايا.. للجميع.
يهمس أحد الركاب بصوت مسموع: «خلينا ساكتين.. شفناك فوق وشفناك تحت».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش