الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

دورة «الأحزان في الفصول الأربعة» لنضال القاسم

تم نشره في الجمعة 10 تموز / يوليو 2020. 12:00 صباحاً

أ. د. خليل الرفوع
أحزان الفصول الأربعة، ديوان شعر للشاعر نضال القاسم، وهو المجموعة السادسة من فنه الشعري، يتضمن مجموعة من القصائد تنداح مضامينها لتصورَ رؤى فنية تستند إلى مخيال تثاقفي واع ، مصادره التاريخ بتناقضاته وتوتر الذات والقلق الواقعي بكل أحزانه ومآسيه وهزائمه، يمثل الديوان صرخة تراجيدية وجودية لشاعر يحلُمُ بوطن يشبه وجه أبيه وبجمال يتولد يُسرًا من القبح المعاين وبخيط أبيض سحرًا من عتمة الظلمات.
وُسِمَ الديوان بأحزان الفصول الأربعة، فالزمن يدور والفصول تتعاقب ولكل منها في التراتبية الواقعية سمات قد تصل إلى تضادات كاملة، لكنها في الفن الشعري تتجاذب إلى حد التماهي والتوحد في زمن ظاهره كباطنه أحزان وليس حزنا واحدا، فالفصول الأربعة في أعراف البشر تشي بالتجدد، بالميلاد شتاءً، والشباب ربيعًا، وحكمة الكهولة صيفًا، والموت خريفًا، وقد يكون فيها مسرات وشهوات ومكاره وأحزان، لكنها في المفتتح العنواني للديوان أحزان متوالية معا حتى لتشعرك بتوقف الزمن، فلا فرق بينها وحينما يظهر المخلص المنتظر كنعان ستعود الفصول إلى دورتها «لم تمت فيا كنعان قاتل».
فكنعان هو الفتى المناضل، هو المبعوث لإعادة الوطن إلى أهله وقلوب عاشقيه إلى دفء الدور العتيقة ومنازل الأحبة الذين رُحِّلوا عنها ذات سنين مشوبة بلون الدماء، زرعت فأنبتت شهادة وشهداء.
والشهداء هم فتية الوطن يتجاوزون اللامحدود وصولا إلى الوطن الحلم، «فتى الشمس والريح والحلم فتى الأزمنة والأمكة».
فما دام الوطن أسيرا فدورة الحياة بفصولها الثكلى وسنينها السبعين عجفى، موطنه فلسطين التي أوقفَ أسرُها الحياةَ «وموطنه مكبَّل بقلبه»، لكن الوطن أسير والقلب حزين، فكيف سيلتقيان؟! إنه الشعر الذي يعيد رسم الأشياء، فالشاعر سيلتقي وطنه الأجمل على الرغم من أسباب الحزن منصبًّا كالغيث، وحينئذ يستدعي أباه ليكون اللقاء في حضرته، «أنا يا أبي كالمطر» داعيا غيره للمشاركة في المشهد ليكونوا جميعا دماء تليق بجغرافية فلسطين وتاريخية المأساة «تعالوا نرسم من دمائنا وطنا ونزرع من نبتنا دمنا»، هو الوطن لا ينبت زرعه إلا بدماء الشهداء ولمّا يرتوِ بعدُ.
ويستحضر الشاعر التاريخ بأحداثه ورموزه ورجاله ومعاركه كي يعيد قراءة صيرورته نصرا وشهادة وعودةً مستأنفةً ، وما هذا التراب إلا دماءً مختلطة ببقايا أجساد من استشهدوا، حينما يتشرّبُ التراب ويعجن بالدماء يتشكل الوطن، وحينما يتشرب ويعجن بالماء يكون وحلا وطينا.
هناك رموز وجودية انعطف التاريخ بها مصححا مسيرة الإنسان ومنها: ميشع، هاني بعل، القعقاع، بيبرس، وهناك رموز مكانية قد ارتوت من أنفاس الرجال وصيحات الفرسان، وصهيل العاديات، وصليل السيوف وهي: بصرى، حوران، قرطاج، جلعاد، اليرموك، ذي قار، وكلها أمكنة تطل رمزيا على بحيرة لوط التي رحل عنها التاريخ والطغاة، ولم تبق إلا فلسطين التي توقّف عندها الزمن بسياط الغزاة، وكلها أمكنة ذات ارتباط تاريخي وثيق بفلسطين ابنة كنعان التي تزينت بأوسمة النصر على الغرباء، اليرموك، حطين، عين جالوت وما زالت هي وساما في أفئدة عشاقها. فثمة صرخة تطل من تلك الأمكنة مرفوعة فوق بحيرة لوط» البحر الميت» لتصل عبر الفضاء إلى دير الغصون، قرية الشاعر التي تجري في عروق الشاعر برائحة آبائه؛ هي البيت المعتق، مستودع أسرار أنفاس من غابوا، وليس بدٌّ من صباح يلقاه الشاعر في ضوء الربع وإشراقة الأمكنة ، الصباح المؤجل يذكرنا بالليل، وفي الصباح ستعود الحياة إلى دورتها والفصول الأربعة إلى تجددها، الصباح حياة وشروق وانطلاق وميلاد وطرد الغاصب، «يا دير الغصون يا بيتي القديم/ بيت الريح والأسرار/ موعدنا الصباح/ إني عائد».
القصائد هي الشاعر أو لنقل إن الشعر هو الشاعر، منه تتشكل عروقه لتجري في دمائه أو لتجري دماؤه في عروقه لا فرق حينئذ بينهما؛ وليُهْدَأْ هو أو قصائده لكنعان ما دام هذا طهرا ترابيا متجذرا في فلسطين، ولْيُهْدَآ كذلك إلى كل من رحلوا بلا وطن «فقصائدي تجري في العروق وفي الدماء/ وهي لكنعان/ لمن رحلوا بلا وطن ستأتي في غد أوطان».
قلت من قبل إن والد الشاعر يمثل الوطن أو يتمثل الوطن في وجهه، فهما جسدان يندغمان في وجه واحد يأوي إليه الشاعر، فثمة تفاصيل يقرؤها فيه وثمة أحداث وأوجاع وآمال وأحزان تستنفر الكلماتِ، يقول لأبيه:
«ونحن محض اثنين في هذا الزمان الصعب/ ضوءان يلتقيان في المنفى».
كل مكان خارج المنفى ولو كان جميلا هو منفى؛ لأن مقر الروح والذكرى هناك، ففي التاريخ حتمية مؤكدة قارة أن لا يستمر ولا يؤبد اغتصاب للأرض والإنسان، ولا بد من فلسطين ولو طال الارتحال ، ذلك هو ديوان نضال القاسم: كلمات دالة وصور متجددة وأحداث متحركة وذكريات متواشجة منصهرة كلها معا لتتلظى في ذاكرته وتسيح في الأمكنة التي عاشها فينفثها كالصَّبا فتكون ندًى لأرواح من رحلوا عن فلسطين وطَلًّا لأرضها التي عُجِنَ ترابها المقدس بالدماء فأنبت صمودا وصبرا وفتيةً هم عليها لربهم ساجدون ولعدوهم قاهرون.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش