الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يوميات مثقف في زمن الكورونا

تم نشره في الاثنين 13 تموز / يوليو 2020. 12:00 صباحاً

الكاتب والأديب عوني شعث

مع ولادة جائحة كورونا ادركت اني لم اكُن معقماً او ملقحاً ضد كل وسائل الحداثة والتحنيط والتشييء والتهميش والتأطير الذي أطَّر حياتي عبر ستة عقود مضت من الرتابة واللامفهوم ولربما لحاضرٍ يمضي!

أشهرٌ في الحشر: كانت أنفاس الربيع على موعدٍ مع الأرجاء والأنحاء والأركان، فجأةً  وبدون سابق إنذار، صدر قرار الحظر بأمر دفاع، وجدت نفسي ضيفاً ثقيلاً على اهل بيتي الذين كنت أرى فيهم شبه أبناءٍ لأبٍ كان يشبهني، عندما كنت في حضرة الغياب عنهم لأشهرٍ، بعد أن كان جمر الشوق اليهم يَسْلُقُني، لاكتشف فيهم ما لم أكتشفه من قبل، من قدراتٍ فكريه وذهنية وثقافيه وراحة بال أذهلتني! إذ لم اكُ اعلم ان مشروع كاتب في بيتي يَسْتَحْضِّرُ مَلَكَتُه منذ الان،، واخرى تعشق الموسيقى وتعزف اجمل الألحان. واخرٌ يشبهني، لا يدري من اين يبدا كي ينتهي!

اول شهرٍ في الحظر، اركنتُ فيه مركبتي دون وقود، ولمَّا تَدَرَجْتُ حول بيتي، نسيت كيف امشي، مقتنياتي ما عادت تعنيني، حتى محفظتي لم تعد محط اهتمام أحد!  منسيٌّ كغيري، ما دمت خالٍ من عطسةٍ او صداعٍ او ارتفاعٍ. في درجة الحرارة أو الغثيان! لاول مرة أصحو وأغفو مع انايَّ، حظرٌ مطلق، أصبحت فيه مكبلاً، خائفاً مترقباً من مخاطر هذا الوحش اللامرئي، الذي إن دخل الحدود أغلقوها، و إن ظهر في داخل المدن قطعت أوصالها، وإن انتقل بين المقربين باعدتهم السلطات، كل منا ينظر للآخر وكأنه مصدر لخطر موت زؤام!

شهر ثانٍ من العزلة، اشتقت فيه لاسمع اوتار صوتي عند الكلام.. بعد ان عشقت الصمت وقت الكلام، وتوقفت عن الكلام وقت السكوت، اشتقت لاحاديث الساسة، والمسيسين، والمستثقفين، وارباب الحرية العرجاء، اشتقت لصراخِ وعويل من انتخبتهم بصمتي لا بصوتي! لشوارع مدينتي المُتَبَرِجةِ بالبسطات، للحاويات المفرغه من النفايات على الطرقات!

اشتقت الى ولائم الافراح المرتعدة بصوت الرصاص والمفرقعات والرشاشات، الى الملتقى الاجتماعي في خيم العزاء، الى عناق الاحبة والمصافحة والتقبيل في الصباحات والمساءات!، الى موظفي الدواير والشركات، ان راجعتهم لاكثر من مرة، تملكتهم حالات من الازدراءآت  شهر آخر  ادركت فيه، كم نحن قساة في الشبه، ان انفقنا اسرفنا، إن اقترضنا أهدرنا المال على ما لا يلزم من كماليات الأشياء لاننا نرانا في عيون الأغنياء لا البسطاء!

في هذا الزمن الكوروني البائس  منعوني لأمتثل بين يدي الله خاشعاً في المساجد، لكني اكتشفت عظمة الله في قلبي، لا من خلال مُدَعٍ، يراني في النار ويراه في الجنة، او من خلال سفسطائيات الفضائيات الممولة من دول الشيطان الاكبر! نعم  اكتشفته في قلبي : قلبي الذي ما كان ليسترخي إلا على صوت عبدالباسط والحصري والبنى، يرتلون على مسامعي اياتٍ من القران الكريم  ولكم حزنت لاجل اقرانٍ لي  لم يسمعوا نداء اجراسهم للصلاةِ في صبيحة الاحاد 

في الحظر  كان لا بد لي ان أبحث عن أسئلة قيد الجواب، في زمن اللاجواب،

إذ لا سبيل لديّ إلا ان اهرب إلى بطون بعض الكتب، علِّي اجد فيها خلاصي، فسارعت لقراءة حكمة الموت في «حديث المقبرة» لابي القاسم الشابي و»جدارية» محمود درويش، ومرثية مالك بن الريب لنفسه. واشعار ابو العتاهية، وفلسفة «اليوم الاخير» لميخائيل نعيمه وغيرها من الكتب التي ترى في الموت قصة جميلة من قصص الحياة.!

سكتة حضارية اصابت قلب العالم - ولن تكون الاخيرة - أدخلتنا حد الذهول، حد الجنون - نحن قيد الحجر قيد الحظر، شوارع المدينة خالية من البشر و من النفايات على الطرقات، ولأول مرة منذ مئات العصور، جاءت الطبيعة لتحاكي الاًشجار مع الطيور، أن هُبْوا بعيداً عن الأشرار، لتجربوا معاً فرح الحقول!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش