الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جبل الجليد وخبايا الفساد

رمزي الغزوي

الثلاثاء 14 تموز / يوليو 2020.
عدد المقالات: 2129

 هل هذا الشيء الذي صار نجماً لأحاديثنا، وحبراً سهلاً لمقالاتنا وتحليلاتنا، وعلكة سائغة لتجمعاتنا وسهراتنا. هل هو كائن حيٌّ بلحم وشحم وأحاسيس وأعصاب؟!، أم أنه من الفقاريات؟!، أم من الرخويات، أو المفصليات المدرعة؟!، أم أنه برمائي محرشف؟!، أو كائن مجوقل (محمول جواً)؟!.

 أم أن الفساد كائن هلامي كالأميبا، يغير شكله باستمرار وعند كل بادرة مقاومة، فالرأس قد يغدو ذنباً، والذراع قدماً بغمضة عين؟!، أم أنه من ذوات الدم الحار، لا يدخل في نوم أو سبات، أو هو كائن حربائي مجنح، يتأقلم مع ألوان الأرضيات، ويطير عبر كل الأجواء؟!.

 أرجو ألا تأخذكم الدهشة من هذه الأسئلة غير البريئة، وأن تتركوا إجاباتها المدببة التي نعرف مسبقاً أنها لا تفضي إلا إلى مزيد من الإبهام والغموض، وتتركنا معلقين ببئر عميقة من الضبابية واختلاط الأشياء. فما أصعب أن نعرف المُعرف، أو أن يحتاج النهار إلى دليل.

 مع كل قضية فساد تطفو على سطح وجعنا نتذكر الفيزياء وكيف علمتنا أن لا نغتر بجبل الجليد الطافي وألا نقلل من شأنه، وشأن حجمه وضخامته. فدائماً أن ما خفي أعظم، وأكبر، وأخطر، فهذا الجبل العائم لا يظهر منه فوق ماء البحر إلا ثلثه أو أقل. أما باقيه فمغموس يضربنا وينخرنا ويهدد سلمنا.

 هذه القضايا وهي ذاتها التي كنا ننضبع لها حتى فترة قريبة، ونتعامى عن قص أثرها وملاحقتها، أو نخشى فتح ملفاتها ونبش نتانتها، يبدو أننا وضعنا أصابعنا على طرف الخيط وأول النهاية.

 كل ما نحتاجه كي تكتمل الصورة ويتضح المعنى أن نشمر عن همتنا لملاحقة الفاسدين بغض النظر عن عرض وقوة الظهر الذي يسندهم أو ساندهم، وبصرف النظر عن لونهم أو منبتهم الأول، نريد أن نواجه خوفنا من نفوذهم، ببسالة وصرامة، ونريد أن نلاحق ضبعهم حتى وجارهم، فما من أحد فوق القانون، وما من أحد إلا تقدر عليه يد العدالة،‍‍ وتطوله حتى ولو كان محتميا بحضن بركان.

 الناس لم تعد تقنع بالكلام والتصريحات. ففي عرفها أن الحكي لا يقلي بيضاً، ولا يطبخ عدساً. ولهذا يريدون الفساد مضبوعاً، يريدونه خلف القضبان، مهما كبرت لغاليغه ودسامة جلده ومساحة الظهر الذي يسنده.

 لا النوايا الحسنة، ولا الاحتفالات العامرة بالمحاور المتشعبة، ولا النقاشات وأوراق العمل، والندوات والمحاضرات. ولا حتى التصريحات النارية، التي تنوي أن تجفف منابع الفساد، تفيد شيئاً دون مرافقة الإرادة الحقيقية للمكافحة والمطاردة والمتابعة، بطول نفس وصبر وجرأة. فنحن أمام كائن مختلف، كائن أكثر من حربائي مجنح.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش