الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

دراما التفرُّد

تم نشره في الأربعاء 22 تموز / يوليو 2020. 12:00 صباحاً
طارق البطاينة




ماذا لو اصطف كل مليار من المليارات السبعة التي تتجول الآن على كوكبنا صفاً واحداً؟ ماذا لو كانت مهمة البحث في اختلاف كل فرد منهم عن الآخر سهلة؟ ماذا سنجد حينها من اختلافات بينهم هم سببها؟ هل سيتحقق حلمنا يوماً ما بأن نكون ذلك الفرد الذي قدم ما لم يقدمه غيره؟ هل سنكتشف أن أحدهم قد قام حقاً بتقديم مستوىً استثنائيا لم يسبقه إليه أحد في تجاوزه؟ هل سيوصلنا ذلك المجهود إلى الحقيقة التي سنعلم منها أين يكمن ويختبئ شبح التميز مثلاً؟ أم أنك ستعتبر ذلك مبالغة -من نوع ما- قائلاً أن التفرُّد مجرد غاية تفرضها حاجتنا للشعور بالمكانة ونحن في ملاحقة دائمة لها؟ دعنا نرى .. .
بكل هدوء، إننا حقاً مختلفون عن بعضنا كأعراق وأجناس وأديان، ولكن ليس هذا هو النوع المفضل لدينا من الاختلاف؛ إذ أنه فقط يدعونا للتعرف على بعضنا البعض ويشعرنا ببعض التفرد - على مستوىً جماعي- كلٌ بحسب قناعاته الخاصة بمربعات الاختلاف تلك، والتقليد الذي يحكهما ويشعر افراده بموجبه أنهم يحققون أقصى اتصال سليم بالقيم التي يرونها اقرب «للحقيقة الموضوعية» التي تقف خلفها، وبعض معايير الرقيّ المألوفة والمريحة. ومع ذلك لا يعد هذا النوع من الاختلاف كافياً لسببين؛ الأول وقد سبق ذكره وهو ان الاختلاف يقع على مستوىً جماعي، والثاني هو أننا بحاجة مستمرة إلى أن تبقى الأضواء مسلطة بين حين وآخر دورياً علينا فقط كأفراد.  قد يكون ذلك فطرياً إلى حد كبير وثابت
-سيكولوجياً- لا يمكن تغييره، ولكن حتى لو كان كذلك، فإن الطبيعة التي يسير وفقها التوازن الكوني البشري والأنشطة البشرية اللا منقطعة أثناء تفاعلاتها تجبر هذه الفئة من الناس على الدخول في صراعات مستدامة مع الواقع ومع أنفسهم في محاولة إثبات العكس، وعلاقاتهم مع الآخرين دائماً ما يكون موضوعها هم أنفسهم، فتبدأ الأحداث في السير باتجاهات متعبة متطلبة قدراً هائلاً من التفكير والتصحيح المستمر.
وفي حل من الحلول الممكنة تجاه هذه المعضلة، نجد أن تحقيق أقصى قدر ممكن من الاتصال الصحي السليم مع الذات والتعرف عليها، والتصالح مع ما نحاول غض النظر عنه فيها أمر في غاية الأهمية. فعندما يعي أحدنا أن نفسه ليست بمركز للكون، وأن ما فعله أو قام به أو امتلكه وظنه بأنه لم يسبقه إليه أحد، يجب أن يكون أول اهتمامه فيه مدى حاجة المحيط فالمجتمع فالدولة فالعالم له، وأن غيره قد يكون قدم ما قدمه ولكن من خلال منبر آخر وطريقة مختلفة وشكل وأسلوب مختلف، وعليه أن يعي أن الآخر أيضاً قد يشاركه نفس القدر من الاهتمام، فصميم اختلافاتنا وتفردنا الذي نزعمه، في جله قادم من اختلافات لسنا نحن سببها ولا يحق لنا المناداة بها وكأننا نحن من أوجدها فينا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش