الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أقصوصة... بطاقة العيد

الداعية نائلة هاشم صبري

الخميس 30 تموز / يوليو 2020.
عدد المقالات: 8

يجلس أبو رفيق على السرير يتناول (الموبايل) ويقرأ على صفحات (الفيس بوك) عبارات التهاني بحلول العيد...يضع الموبايل جانباً...ينظر الى زوجته الراقدة بجواره على السرير الآخر...يلقي عليها تحية الصباح ثم يتحاوران حول بهجة العيد لتظلها هالة الفرجة والمسرّة في أجواء البيت

زوجه تريد أن تزيل الأسى المنغرس في الأعماق ولتسحق الألم المتناثر في انحاء الجسم الذي أخذ يمتص الدم والعرق واللحم. وهو -أي الزوج- يسخر من هذه المحاولة. فالدموع التي انهمرت من العيون كثيرة... وجائحة كورونا تظلّل أجواء المجتمع وسماء العالم... والقلق واليأس البطيء الذي يتسلل الى القلوب ويتجسد في النفس ويستقر في العيون وينتشر في الجوارح.

هي تريد أن يطلّ العيد من عينها فتظهر بثيابها الأنيقة الزاهية ومن عيون أطفالها بملابسهم المزركشة، والزوج غير مكترث بهذه المظاهر يبدو مهموماً ومنشغلاً بقضايانا المصيرية.

تنهض الزوج من سريرها لتدير شؤون البيت... ويحول أبو رفيق بصره مرّة أخرى ويتناول (الموبايل) ويقرأ الرسائل من على صفحات (الفيس بوك) ويقرّ في نفسه عدم الرّد عليها... تطل عليه صفحة من على صفحات (الفيس بوك) انها بطاقة مميزة انها من ابنه رفيق القابع في الغربة...يعيد قراءتها مراراً.

والدي الحبيب:

سلامي اليك وبعد تقبيل يدك الطاهرة أنقل اليك أشواقي عبر المسافات الشاسعة من أرض الغربة...كلماتي اليك تنتظر رجع الصدى، لكن صمتك يطول وتشحّ كلماتك وتجعلني أعيش في صحراء مقفرة...في كهف مظلم في قلق مريب...أُكتب اليّ يا والدي لتنقلني كلماتك الى ربوع وطني الغالي والأقصى الحبيب.. أُكتب اليّ يا أبي لأشعر ببهجة العيد.

 تشيع هذه الكلمات في نفس الأب فبادر وتعجل بالرّد وتناول صورة للأقصى تناولها من الخزانة الصغيرة المجاورة لسريره.

وكتب لابنه قائلاً: أبني الغالي رضائي عليك ومحبتي وشوقي اليك وبعد:

بهجة العيد يا ولدي رفيق لا تتحقق الّا في بيتنا في قدسنا في أزقتها مع جمع شملنا وعودتك من غربتك... أبعث اليك بطاقتي من خلال هذه الصفحات والتي تحمل اليك صورة الأقصى الحبيب... ينقلها اليك الطائر المجنح كناري... أضعها على منقاره الجميل ليحلق بها وتصلك على أجنحة السرعة. ولدي الحبيب...

لا يكون العيد عيداً الّا في القدس... لا يكونه العيد عيداً الا بجمع شمل الأهل والأحبة... لا يكون العيد عيداً الا بمسح جراحاتنا وزوال الوباء جائحة كورونا...

وسلامي اليك يا ولدي وسلام أمك واخوانك وأخواتك اليك.

وأغلق الموبايل... ثم نهض من السرير واقترب من النافذة كانت الشمس تنسج خيوطها الذهبية والسّاعة معلقة على الجدار تشير الى الثامنة صباحاً.

نظر من النافذة... وجد الحيّ قد تمزق صمته بجلبة وحركة الأطفال وأصوات خراف العيد. لم يطلّ العيد من عيون الأطفال الأيتام وأبناء الأسرى...بينما بدت وجوههم صفراء باهتة كلون خيوط الشمس ولم تكن ثيابهم مزركشة ولم تردد ألسنتهم ولم تنشد أغاني العيد. أطلّ برأسه بعد أن فتح النافذة... لامست أسماعه أحاديث الأطفال لبعضهم بعضاً بنبرات حزينة ملتاعة.

قال أحدهم: لقد ذهبت هذا الصباح مع أمي لزيارة قبر والدي فوضعت عليه باقة من الورد وقرأت الفاتحة على روحه الطاهرة.

وقال آخر: بعد قليل سأزور بصحبة أمي وأخوتي أبي الأسير في المعتقل.

الحزن يبدو على قسمات الوجوه البريئة... فما أقساه وأشده وقعاً على النفس عندما يتراءى آثاره على وجوه الأطفال.

يتراجع أبو رفيق الى الوراء ابتعد عن النافذة... فرت دميعات من عينيه وأطلق من أعماقه تنهيدة تعبّر عن حزن عميق ثقيل. ذهب الى الحمام ثم حلق واغتسل وقفل راجعاً الى غرفته. نظر الى المرآة كانت شعيرات بيضاء تتناثر في رأسه تشير الى أنه على عتبة الخمسين من عمره... ارتدى ملابسه وسرح شعره ثم اتجه الى غرفة الجلوس حيث عائلته بانتظاره زوجه وأولاده. تبدو على قسمات وجوههم مآثر غامضة...ضحكات تخالطها العبوس وابتسامات تتشابك معها الفتور... تبادل معها التحيات والقبلات طبعوها على الوجه... أخرج محفظة نقوده ووزع منها على زوجه وأولاده... نهضت زوجه من مكانها كشفت عن صحن كبير مغطّى وقدمت اليه كعك العيد. تناول كعكة وأكلها لم يتذوق حلاوتها فمرارة الواقع قد أحالتها حنظلاً قربت اليه ثانية فامتنع.

أقترب أحد أولاده منه قائلاً: الطقس جميل يا أبي... وشمس العيد حلوة رائقة... فما رأيك لو نذهب بصحبتك يا أبي لنقضي وقتاً ممتعاً خارج البيت.

لاذ بالصمت، لكن زوجه تولت الرّد: بعد تناول الغداء يا أولادي سنذهب ان شاء الله.

اتجهت الى المطبخ أعدت لهم مائدة الفطور والتفوا حولها.

تأمل أبو رفيق أولاده... فلذات كبده... حازماً... عاصماً منى سحراً لكن موجة من الكآبة لطمت وجهه، فذكر في نفسه ولده حاتماً الشهيد الراقد تحت الثرى وابنه رفيقاً القابع في بلاد الغربة. عصف به الألم وأُصيب بخيبة الأمل... شعر بنفسه تتهاوى وقطعة من قلبه تنفطر. نظرت اليه زوجه وأوشكت أن تسأله عن حاله وتلتمس منه ابتسامة تعبر عن فرحته بالعيد. لكن صوت ابنها الصغير الذي لم يتجاوز الخامسة قال بلهجة بريئة: متى ستذبحون خاروف العيد (مع لثعة بحرف الراء) وانبعث صوت الخاروف من حديقة المنزل (اماء اماء)، رنين جرس الباب يقرع اتجه أبو رفيق ليفتحه نفر من المهنئين وفدوا لتهنئته بحلول العيد. يبتسم لمقدمهم ويمنح نفسه نوعاً من الفرحة والطمأنينة والمشاركة... لم تمتد الأيادي للمصافحة بسبب جائحة كورونا... ويرد على تهانيهم وعباراتهم «كل عام وأنتم بخير». يجلس المهنئون تغطي أفواههم الكمامات... ورائحة وجوههم المحلوقة تمتزج بدخان التبغ، وتفيض مشاعرهم بالأمنيات وتغيير الحال بأحسن حال... القهوة المحمصة الطازجة تعبق ويقذفها البخار من أجواء المطبخ الى أجواء غرفة الضيوف. تقدم القهوة الحلوة إليهم فيحتسوها ويتبعها كعك العيد. يغادر المهنئون بيته وهم يرددون «كل عام وأنتم بخير» يطلّ أبو رفيق من نافذة الغرفة على حديقة منزله...أولاده يلتفون حول خاروف العيد منتظرين الجزار. يعود الى غرفته... الموبايل فوق السرير... جلس على حافته ووضع رأسه بين يديه مفكراً... لقد آلى على نفسه عدم الخروج ولكنه تراجع اثر سماعه رنين الموبايل... فتح الموبايل بسرعة وقرأ على صفحة الفيس بوك وأصيب بصدمة قوية وهو يقرأ سطوراً حزينة تنعي ابنه رفيقاً وقع له حادث مؤسف في الولايات المتحدة فاضت على اثره روحه. تراخت يداه لم يعبث بالموبايل تهالك على المقعد القريب منه، في حين كان الأولاد منهمكين مع الجزار ودماء الخاروف تسيل ساخنة. اقبلت زوجه راعها منظر زوجها وهو يتمتم: «مات رفيق مات رفيق»، انطلقت صرخة محمومة من الأم الثكلى: «وابناه واحرّ قلباه».

* القدس

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش