الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

النص والعقل : نحو عقلانية إسلامية

تم نشره في الجمعة 7 آب / أغسطس 2020. 12:00 صباحاً


د.إسلام أبو خيط
يمكن اعتبار ما يكتبه الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن يندرج في سياق التأصيل الحضاري للعقلانية، فعبر مشروعه الهام يحاول طه عبد الرحمن أن يضع الأسس الكبرى التي يمكن أن تحكم تجربة « الحداثة الإسلامية « كما يصفها. فهو مشغول بهم التنظير ووضع القواعد المنهجية الرئيسية في التعامل مع التراث والنصوص والظواهر. يحاول الباحث أن يبلور أطروحة أصيلة في تجديد العقل الإسلامي، منطلقا من روح الحداثة وليس من تجربتها في النموذج التاريخي الغربي.
ولعل ما يميز عمل الباحث عن مشاريع الفكر العربي المعاصر الأخرى هو قدرته الكبيرة على التنظير والمنهجية وهيكلة الأسس والقواعد التي تضبط تجربة الفهم والنظر في النصوص، يلحظ عبد الرحمن هيمنة مفهوم العقلانية في كتابات المفكرين العرب بمصطلحاتها المختلفة : « العقل «، و « العقلية «، و « التعقيل «، و « المنهج العقلاني «  ودون أن يخوض في ما خاض فيه كثير من الدارسين من تبشير بهذه النزعة، واعتبارها الخلاص من الانسداد والتخلف، وغيرها من شعارات الكتابات النضالية، سلك عبد الرحمن مسلك التقعيد النظري، فهو ينحو إلى تقسيم العقل إلى : عقل مجرد، وعقل مسدد، وعقل مؤيد، ويرى أن العقل المجرد هو عبارة عن الفعل الذي يطلع به صاحبه على وجه من وجوه شيء ما، معتقدا في صدق هذا الفعل، ومستندا في هذا التصديق إلى دليل معين، أما المسدد فهو الفعل الذي يبتغي به صاحبه جلب منفعة أو دفع مضرة، متوسلا في ذلك بإقامة الأعمال التي فرضها الشرع، ويكون المؤيد عبارة عن الفعل الذي يطلب به صاحبه معرفة أعيان الأشياء بطريق النزول في مراتب الاشتغال الشرعي.
وهكذا يهيكل الباحث أقسام العقل ضمن الأبعاد الكونية والدينية والروحية. ويمضي عبد الرحمن في هذا المسار، واضعا مقدمات لكل قسم وحدودا، مركزا على آفات كل عقل، مما لا يسمح المقام في التفصيل فيها بشكل مستفيض.
وفي سعي منه لإرساء نزعة عقلانية أصيلة، يحاول طه عبد الرحمن تفكيك الأسس والمنطلقات الفلسفية والمنهجية لما سماه « بالقراءات الحداثية المقلدة « التي تنتهج مسالك الحداثة الغربية خاصة في قراءة النص القرآني، ويذكر من أعلام هذه القراءات الحداثية المقلدة الذين اهتموا بتفسير الخطاب القرآني في ضوء فتوحات الحداثة الغربية ومنطلقاتها الفلسفية والفكرية، يذكر محاولات محمد أركون، وعبد المجيد الشرفي، ويوسف صديق، ونصر حامد أبو زيد، والطيب تيزيني، وحتى حسن حنفي في تأويله الموضوعاتي للقرآن. وبعمل منهجي دقيق يفكك طه عبد الرحمن خطط هذه القراءات وأصولها واستراتيجياتها، كاشفا عن « هدفها النقدي « وآلياتها التنسيقية و « عملياتها المنهجية «.
يحفز الباحث في خطط هذه القراءات ليبين منطلقاتها الأصيلة القائمة أساسا على « التأنيس « أو « الأنسنة « أي رفع جانب القداسة عن النص الديني، وخطة التعقيل أو العقلنة بتجاوز البعد الغيبي، وخطة التأريخ أو الأرخنة أي التعاطي مع النص القرآني في ضوء تحولات التاريخ والثقافة. ويذهب الباحث إلى تفكيك العمليات المنهجية الخاصة بكل خطة، ثم يمضي إلى نقد هذه القراءات وبيان جوانبها التعليمية التي تتناقض مع ادعائهم الحداثة والإبداع والإضافة.
إن هذه الخطط التي استلهمها أصحاب القراءات الحداثية الغربية للنص القرآني إنما تكشف عن وجه لإ حداثي، بل مناقض لأصل الحداثة القائم على الإبداع وتجاوز الأنماط والأشكال والرؤى السائدة ورفض المسلمات والمنطلقات القبلية، وإذ يدعو هؤلاء الحداثيون إلى إعادة فهم وتفسير النص القرآني في ضوء العقلانية والحداثة، فإن خطابهم لا يعد و أن يكون استنساخا لتجربة تاريخية معينة هي تجربة المجتمع الغربي في حقبة معينة. وعلى هذا الأساس يلاحظ الباحث أن هذه الخطط ليست سوى إعادة إنتاج تجربة عصر الأنوار في أوروبا أي تجربة مرت عليها قرون. لقد أنبنى الفكر التنويري الغربي على أسس ثلاثة هي : مركزية الإنسان والعقل والانطلاق من العالم الدنيوي، ومثل الأساس الأول مواجهة لمركزية الإلهي، والأساس الثاني لمحورية الغيب والميتافيزيقا، والأساس الثالث لهيمنة التصورات الأخروية إبان القرون الوسطى.
وهكذا تبدو هذه الخطط – في نظر الباحث- فروعا عن هذه الأسس الأنوارية الكبرى بشكل يخلو من الإضافة والأصالة والإبداع.
وبعد تفكيك أسس العقلانية التقليدية، يقدم طه عبد الرحمن تصوره لما سماه « الحداثة المبدعة» أو « الإبداع الموصول « من خلال إعادة النظر في هذه الخطط انطلاقا من روح الحداثة، وبالتفاعل مع البعد الحضاري الإسلامي، بحيث أن كل واحدة من هذه الخطط « تزاوج بين تفاعل الديني الراشد والفعل الإبداعي الجديد «.
إن عمل طه عبد الرحمن ينهض على رهان التأسيس والتأصيل، ويروم أن يكون محاولة عميقة وأصيلة في تكريس وعي إسلامي حضاري مبدع. وهو بشكل أخر يسعى إلى ترشيد فهم النص القرآني والشرعي عامة بما يتماشى وخصوصياته المقدسة والمتعالية، وبما يضمن كذلك التفاعل الخصب مع فتوحات المعرفة المعاصرة وإنجازات الحداثة، شرط استيعاب روحها ومضامينها الإنسانية الأصيلة، وليس التعلق بأشكالها التاريخية العابرة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش