الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

طَـــــــوْقُ الـــرَّطـــانَــــة

تم نشره في الجمعة 14 آب / أغسطس 2020. 12:00 صباحاً

نايف النوايسة

بعد مراجعة قصيرة تبيّن لي بأن جاري أبا سائد ليس كما ظننته.. لم تفارقه طبيعته أبداً، هكذا هم البسطاء يتماهى ظاهرهم وباطنهم.. تنفر من بعضهم بسرعة ولكنك تعود إليهم بسرعة، وأخطر ما فينا أننا نستعجل الحكم على شخص ما إذا كانت طبيعته البسيطة تجعله يختبئ وراء صمته عند أهون الأمور.

هذا ما تورطت به في الفترة السابقة مع أبي سائد الذي كشف ظاهره أنه متعجرفٌ وكنت أعاينه كل يوم حالما يجلس في زاويته المعهودة في حوش منزلهم ويظل فيها زمناً يُدخن ويشرب القهوة ولا يكلِّف خاطره أن يلتفت صوبي لنتبادل التحيايا.

كان يجلس وحيداً طوال الوقت ولولا أن زوجته تظهر بين حين وآخر لتزوده بالقهوة لظننته عزباً لا ناس له، واللافت أن أبنه سائد كان يتبع أمه في كل جيئة ورَوْحَة، وأميز ما شدني إليه هو تجاذب حديث مختصر بينه وبين زوجته حين يطلب شيئاً، وحديثهما غير مفهوم وأقرب إلى رطانة الأجانب أو مثل صوت جمامة حطّت على سلك كهرباء تنتظر رفيقها.

عرضتْ صورةُ أبي سائد لي على شريط أحداث مزعجة هزهزت كياني في اليومين الأخيرين، وصرت أضحك في كل لحظة حين أجد أبا سائد مُندساً بقوة في مفاصل هذه الأحداث وهو الذي لم أتوقع في يوم من الأيام أن ألتقيه، وأنساه حين يغيب عن نظري، وكلما حاولت تجاوز صورته مما جرى لي أراها تُلح بالبروز، ولا فكاك منها، وأدركتْ زوجتي ما بي من قلق بسبب هذا الشريط فاقترحتْ عليّ تفريغه من ذهني بنص مكتوب.. اقتراح وجيه للخلاص، لأجرِّب...

يغشاني هدير محرك سيارتي من سطح الذاكرة.. حين تجهّزت للسير أطلّ أبو سائد برأسه من باب الحوش وعليه بزة الخروج، فابتسم لي، فوقفت حذاءه وفهمت من إشارته بأنه يريد مرافقتي إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة..

كان هادئاً جداً كيوم ولدته أمه، صامتاً ولا يدخن، ولولا تحيته لي بكلمة(كيفك) لقلت إنه أبكم، دخلتْ السيارة شارعاً فرعياً، والمسافة إلى المسجد ليست بعيدة.. فجأة صدمتنا سيارة أجرة منطلقة من شارع فرعي آخر، وراحت تدفع بسيارتي إلى أن ألصقتها بالجبل القريب.. صوت الارتطام كان قوياً، وشدّني إلى نفسي صوت أبي سائد: يا لطيف ألطف، يا رب سترك.. إذاً الرجل يتكلم بلسان عربي مبين.. نظرت إليه فواجهني بكلمات مُهدِئة: الحمد لله على السلامة، اللهم أجعله خيراً.. فرحتُ به وبكلامه ولطفه.. فسألته: هل أصابك ضرر؟ فهز رأسه بالنفي وهو يبتسم.

وحاولنا النزول من السيارة إلاّ أن أبوابها المنطبقة بفعل الاصطدام لم تفتح، فكسرت النافذة وصمّ أذاننا صراخ السائق الذي صدمنا وهو يرشقنا بما لذّ وطاب من الشتائم والسباب.. وخرجنا أخيراً من السيارة بشق الأنفس.

كان السائق يقذفنا بلغة غير مفهومة.. صوته عالٍ مع أنه هو المتسبب بالحادث، النداء إلى صلاة الظهر يُرفع وصوت السائق يعلو ولا ينقطع.

حاولت تهدئته بكلمات راجية، فكان كلامي كالبنزين المنسكب على النار.. حاول أبو سائد إسكاته أيضاً ولكن دون فائدة.. أعجبني هذا الأبو سائد.. الجو صاخب وازداد صخباً حين اقتربت غيمة من الناس من خيام قريبة بِسِحن تشبه سِحن الغجر.. أطفال ورجال ونساء يرطنون ويبربرون بلغة كلغة السائق، وكانوا يحملون هراوات وحجارة.. خفت كثيراً من هذا الهجوم، فالتصقت بأبي سائد وأحسست بحرارة جسمه، كان يحوقل ويدعو، وأنا أتلفت هنا وهناك باحثاً عن مخرج.

هنيهات، تقف عندنا سيارة مارّة شدّ الفضول سائقها ليعرف حيثيات الحادث وما وراء هذا الصراخ والطوق الصاخب من الرطانة، فناداني باسمي، فإذا هو صديق قديم كان متجهاً إلى المسجد.. دنا مني وقال: هؤلاء نور وهذا السائق نوري، لا تخف سأذهب إلى قسم الشرطة.. أدار سيارته وانطلق وعيني لم تفارقه إلى أن اختفى وراء العمارات.. كانت الدقائق ساعاتٍ طوال وطوق النور يضيّق علينا الخناق وأنا وأبو سائد في موقف لا نُحسد عليه.

صوت سيارة الشرطة يفضّ طوق النور ويخنس السائق مثل جرذ مرعوب.. وبعد معاينة الحادث تبين للشرطة بأن سائق سيارة الأجرة هو المتسبب؛ فكتب تقريره، وطمأنني، وطلب منا أن نراجع المحكمة غداً.

الضابط سائق الأجرة بإبعاد سيارته عن سيارتي وأشار لي بالانصراف.. لاحظت أن الضابط كان يهز رأسه وهو يردد بصوت خافت: السائق نوري ومالك السيارة شحّاد.

طوق النور يقذفني بسهام من الشتائم دون أن أفهمها.. لم آبه كثيراً لذلك بعد أن تخلصت من رطانتهم القبيحة..

وصلت أنا وأبو سائد إلى منطقتنا وأركنت السيارة منتظراً يوم الغد.

حين أوشكت على دخول مكتب القاضي اعتراني شعور بالخوف لأنني منذ وعيت أخشى هذه الأماكن.. أجَلتُ نظري في المكان متخوفاً، ركّزت عيني القاضي.. إنه زميل قديم ترافقت وإياه زمناً في مؤسسة واحدة، وعرفني أيضاً.. ابتسم لي وطلب مني الجلوس بعد أن صافحني.. نادى السائق النوري الذي بادر بإطلاق الشتائم نحوي بمجرد أن رآني.. كان مالك السيارة الأعمى خلفه يسب ويتوعد.. انتهرهما القاضي محذراً إياهم بأنه سيضعهما في النظارة إن لم يسكتا.

ابتسم القاضي مرة أخرى وقال: اتعرف من هما خصماك؟ قلت: أعرف.. فقال القاضي: هذه من أغرب القضايا التي مرت علي. قلت وكأنني مقبل على كتابة نص: استثمار مشترك بين شحّاد ونوري.

والأغرب في المشهد أن القاضي لم يتوقف عن الضحك وهو يؤشر لي بأن أغادر.. وحين صرت عند الباب قال: اذهب وصلّح سيارتك على حسابهما.

في الشارع كانت صورة أبي سائد تقفز لي من كل مكان في حين كان طوق الرطانة يتلاشى كالسراب..

وضعت القلم على الورقة واسترخيت وكأنني خارج من نفق مظلم.. أحسست براحة غامرة حين شاهدت زوجتي تُنقّلُ عينيها بيني وبين الورقة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش