الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تدبر في العذاب والإهلاك..

د. مأمون فريز جرار

الخميس 16 نيسان / أبريل 2015.
عدد المقالات: 43

يبدو أن تزاحم الأخبار وتتابع الأنباء لا يتيح للإنسان المعاصر فرصة للتدبر والتفكر والوقوف عند عبرة الأحداث ، وهذه الظاهرة ثمرة من ثمرات هذا التقدم الهائل في مجال الاتصالات التي تجعل الإنسان وهو في بيته أو مكتبه على تواصل بما يحدث في كل زاوية من زوايا الأرض ومع ذلك لا بد أن نصنف ما نتلقى من طوفان الأخبار ونتخير ما يستحق الوقوف عنده حتى ندرك عبرته .
تتابع أخبار الكوارث (الطبيعية ) في عدد من البلاد في العالم ، وهي كوارث تستحق أن نقف عندها في ضوء ما تحدث به القرآن الكريم عن ظاهرة الإهلاك أو التعذيب وخصوصا في هذا الزمن الذي ساد فيه ( الفكر المادي ) الذي ينسب الأمور إلى ( الطبيعة ) ويجعل لها وجودا وكيانا عاقلا متصرفا : فالطبيعة تغضب وتضرب ، وترضى ، وما الطبيعة إلا كائنات مخلوقة وقوانين ربانية لا تملك من أمرها شيئا .
لا بد أن نواجه سؤالا مهما : هل ما يحدث من الظواهر الطبيعية من فيضانات وزلازل وبراكين وكوارث مختلفة أمر عشوائي أم أن وراءها إرادة فاعلة ، وأن هذه الحوادث والكوارث نتيجة لمقدمات سابقة لها ؟ .
لنستمع إلى كلام ربنا سبحانه : ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا ) فالإهلاك أو نزول العذاب هو ثمرة انحراف في الفكر والسلوك يؤدي إلى الظلم الذي يؤدي إلى الإهلاك
ويتكرر الحديث عن الإهلاك للقرى بسبب الظلم في أكثر من آية : (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ).
 ( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين ).
  ويبدو أن الظلم دوامة تحوم حول التجمعات البشرية وتنتقل من قرية إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى ولذلك تجد الإهلاك يدور مع الظلم حيث دار يتجلى هذا في الوعيد الرباني : ( وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا ) .
وهذا العذاب أو الإهلاك لا يأتي بلا مقدمات بل يأتي للناس من ينذرهم ويحذرهم فإن لم يستجيبوا حل بهم العذاب ، وذلك حال الأمم السابقة مع أنبيائهم الذين قص علينا القرآن الكريم من أنبائهم ما فيه مزدجر .
 ( وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون )
وهذا العذاب ثمرة الانحراف والخروج عن منهج الله ونسيان الإنسان الغاية التي خلق لأجلها وسيطرة الفاسدين المفسدين في الأرض ولنقرأ قوله تعالى ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ).
 ومن الحديث عن سيطرة الفاسدين المفسدين ما بينته أكثر من آية عن سيطرة المترفين وسيادة منهجهم قوله تعالى ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ).
 هؤلاء المترفون الذين سماهم القرآن أكابر مجرميها وهم في الغالب من أصحاب السلطة والثروة وهم موجودون في كل تجمع بشري (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ) فعاقبتهم في النهاية الهلاك وترك ما كانوا فيه مترفين من متاع الدنيا الذي غرهم .
وعذاب الله تعالى لا ينزل بالناس حين يكونون صالحين مصلحين بل ينزل حين يعم الفساد ويغلب الفاسدون ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ).
 وسبيل النجاة من العذاب أو الإهلاك هو الاستقامة على منهج الله وإقامة العدل في الأرض (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) .
 ولا بد من بيان إن البشر يتعرضون لنوعين من العقوبة : العذاب ، وهو ما يحل بهم من المصائب التي يتعافون بعدها ويعيدون لملمة جراحهم وبناء ما تهدم ودمر من أمورهم ، والإهلاك الذي يعني الاستئصال والإبادة التي لا تقوم لهم بعدها قائمة ، ومن هذا الصنف ما أشار إليه قوله تعالى :( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ).
 والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدفعان العذاب والإهلاك ، وإذا كثر الخبث وعمت الفتنة وقع العذاب أو الإهلاك .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش