الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قذيفةٌ مُتقَنة

تم نشره في الأحد 27 أيلول / سبتمبر 2020. 12:00 صباحاً

سالم المحادين
كان أبي رحمهُ الله بإجماعِ كل من عرفهُ هادئًا مُسالمًا لا يتدخل فيما لا يعنيه حقًا ولا يصرفُ الكلامَ جُزافًا فالصَّمتُ عندهُ أرقى وسائل التَّعبير ولكن هذا كله لم يَكُن كافيًا لامتلاكِ نفسه دائمًا في حضرتِنا نحنُ أبناؤهُ الأشقياء الذين نحيا مُراهقةً مُزعجةً أو طيشَ طفولةٍ أو مُشاكسة شبابٍ مُندَفِع.
أحيانًا كُنا نتلقى العُقوبة ليلًا كَمُحصلةٍ ليومٍ حافلٍ بالشَّغب حيثُ يُمسي الرصيد التراكمي كافيًا ( لكَتلةٍ ) تجميعيةٍ قبل النًوم و دافعةً للنومِ في الوقت نفسه مع التنويه بأن الضَّربَ كان آخر وسيلةٍ يستخدمها والدي في توبيخنا وعليه فالعقاب الليلي مؤشرٌ واضحٌ وجليٌّ بأن المُغامرات في ذلكَ اليوم كانت فائضةً عن الحدِ المُمكن استيعابه.
ذات يومٍ قَرويٍ هادئ ارتكب شقيقي ( نزار ) إحدى مشاغباتهِ العاجلة التي لا تحتمل تأجيل العقاب وبادرَ بالفرار في ذات اللحظةِ التي بادرَ معها أبي أيضًا إجراءات العقوبة الفورية فأمسك حجرًا مُتوسط الحجم كان بالقُرب منه وأرسلهُ من البرندة باتجاه نزار الذي وصَلَ إلى الشارع لكنهُ لم يكُن قد قَطَع المسافة الكافية لتفادي الضربة، مع إطلاقهِ للقذيفة صَرَخ أبي ( يَوَد إصحَك ) بما معناه يا ولد انتبه مُحاولًا في صرختهِ توجيه نزار لتفادي الحَجَر وهذا ما كان.
بعد أن التقط أبي أنفاسهُ وجهتُ له السؤال المُحرِج  التالي : ( يابه انت كنت بدك تعاقب نزار ورميت عليه الحجر ليش فجأة نبهته يبعد ؟ ) فأجابني قائلًا ( يلعن أبوك أنت كمان، والله كانت جاية في نص راسه ) .
في هربِنا من أبي كنا نلجأ للكرِّ والفرِّ، تارةً نتجهُ لليمين وتارةً لليسار وذلكَ في مُحاولاتٍ يائسةٍ منا لمُغافلة السَّهم المُطلَق، فنحنُ كُنا نُدركُ جَيدًا بأنَّ حجر ابن القرية لا يَخيب وأننا لو مضينا في ذات الاتجاه فسنتلقى الضربةَ لا محالة حتى وإن ابتعدنا.
من غير الأبناء بكُلِّ تفاصيلِ حياتِهِم يمنحونَ الأهالي إحساسَ الخوف عليهم في عز الغضب؟ ومن غير الابناء يدفعون الأهالي لبذلِ كلَّ جهدٍ مُمكِن سَعيًا لحياةٍ أفضل؟ ومن غير الأبناء يضطرونَ الأهالي للمضيِّ في رحلةِ الشَّيبِ والكفاحِ وُصولًا إلى أقصى طُهرٍ ممكن؟ رحم الله أبي وكل الآباء وألبس الأحياء منهم ثوب العافية.

رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش