الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الملك والنقد الذاتي والفرصة الممكنة

د. مهند مبيضين

الاثنين 17 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
عدد المقالات: 1058

«..كم يؤلمني ويغضبني أن أرى طفلة تموت في أحضان والدها في عرس أو احتفال تطلق فيه نيران الأسلحة، أو أم تودع ابنها دون أن تعلم أنه لن يعود بسبب سائق لم يحترم القانون، أو طالب متفوق فقد فرصته لعدم تطبيق سيادة القانون، أو مجرم ينعم بالحرية دون مساءلة، وغيرها من أمثلة تمسنا جميعاً وتمس حقوقنا وتفرق بيننا...».

ما سبق، فقرة من كلام جلالة الملك في ورقة النقاشية السادسة التي نشرت أمس، والسؤال لماذا التنبيه الملكي في هذا الوقت لمعنى الدولة المدنية ومفهومها، مع محمول نقدي ذاتي لأسباب تأخرنا وفلتان المجتمع.؟

 ولعل الفقرة أعلاه حرية بكل مسؤول أن يفكر بها، لأن المسؤولية على الحكومات أولاً، والمجتمع ثانياً في إنفاذ القانون وتطبيق مبدأ السيادة وعمومية العدالة للجميع، وهذا شأن تنفيذي بالدرجة الأولىومجتمعي ثانياً، ولو أن الناس رأوا حزماً في تطبيق القانون وعدموا الاستثناءات، لاتعظوا ولما خرجوا على القانون.

السؤال ليس في تفسير كلام الملك فهو واضح، ولكنه في التوقيت وجو النص الذي أدى إلى الكتابة بهذا الأمر، وقد أشار الملك في الفقرة أعلاه إلى جملة مظاهر حدثت قبل أسابيع، ومنها الجدل الذي رافق الانتخابات حول الدولة المدنية وكان جدلاً لا يعي مفهومها ويرفض الفكرة ويصف القائلين بأنهم علمانيون كفرة، كما أن بعض من جادلوا لأجلها لم يكونوا مقنعين، ولم يخلُ كلامهم من تطرف في الطرح ووضعَ الدين واقصائه هدفاً أو عنواناً لتحقيق المبدأ، وكلام الملك في توضيح المفهوم وتركيزه على أن لا تعارض بين الدولة المدنية والدين ليس انتصاراً لطرف، بل هو بمثابة مشاركة في إغناء النقاش وإنقاذ المكفرين للناس من ظلال التكفير والاتهام، وتدخل من أجل ترشيد الحوار، وتذكير للقائلين بوجوبية الدولة المدنية بأن لا تضعوا مقولة عزل الدين عن الدولة عنواناً لطروحاكتم.

أما القانون فقد انتهك مراراً خلال فترة الانتخابات وما بعدها وقبلها والشواهد كثيرة، من سرقة صناديق الانتخاب، ومن اطلاق العيارات النارية جهاراً عياناً أمام الأمن ووسط العاصمة، إلى تهور السائقين وتكرار حوادث القتل خلال الأيام الماضية وبكثافة، إلى  اعتداءات متكررة على المياه رصدها الإعلام وأعلنت عنها وزارة المياه...الخ، هذه الأحداث يظن البعض أن الملك لا يتابعها، لكن مقالته وورقته السادسة بينت العكس، فهي تدخل جوهري في حياة الناس وانتقال في الأوراق النقاشية من حالة إلى حالة، من حالة الحديث عن الإصلاح السياسي الذي قالت به كل الأوراق السابقة، إلى حديث في إصلاح المجتمع وترشيده وعقلنته والمضي به للأمام من أجل المستقبل.

وكلُ هذا الحديث جاء كما أشار الملك، لأجل تمكين المجتمع من الديمقراطية والوصول به للمشاركة الأفضل والانطلاق للمستقبل. وفي الورقة إيضاح لا يعدمهُ إلا أصحاب الفكر الضال، وهو أن الدولة كنظام ومؤسسات، هي فكرة مدنية بالأساس، وهي حارسة للحقوق وضامنة للحريات، وحامية للقيم، وهذا هو جوهر رعاية الدولة للإسلام وهو ما تضمنهالدستور ونص عليه.

يدرك الملك بأن الدولة الأردنية، لها أصولها وشرعيتها الدينية، ولا مجال للعب في ذلك، ولا يريد لأحد أن يمُسّ بها، أويدعي حراستها، ورعايته لها أو حمايته للدين أكثر من أي طرف أخر، فالدين محمي بالدولة، التي تطورت بمؤسساتها نتيجة حداثة غربية ومفاهيم ديمقراطية حديثة، وفي كلام الملك إيضاح للجميع بأن الدولة المتقدمة هي :» الناجحة في خدمة مواطنيها وحماية حقوقهم»، وهذا النموذج لا ينتمي اليوم لدول العالم الثالث أو لمقولات التراث، بل يجب أن نسير إليه، والحالة التي تخرجنا من تصنيف الدول غير النامية والمتأخرة إلى الدول الفاعلة، تتمثل بالوصول لدولة المواطنة وضمان الحريات المحمية ورفض التمييز والعدالة وسيادة القانون والعناية بالقيم والأخلاق التي مصدرها الدين.

وقد أشار الملك للفتنة الطائفية، وليس ببعيد عنّا حدث مقتل كاتب على يد متطرف قرر محاكمته وقتله، وأشار الملك إلى التنوع وقيمته، في توكيد مباشر على أن الدولة للجميع، وليس لأحد أفضلية بها على أحد، إلا بقدر سعيه وانتمائه وانجازه،مع الإصرار على أن تحقيق العدالة وتنفذ القانون يقع « على عاتق الدولة».

اخيراً، ورقة الملك، مسّت المجتمع من الداخل، نقدية مباشرة لوضعنا الذي تدافعت فيه الحوادث وخروقات القانون والردة التي تعود بنا لزمن ما قبل الدولة، وهو وإن أتى بأمثلة من الواقع، إلا أنه لم ينس أن يذكر بان لدينا مجتمع واعٍ وشعب يفاخر به لتحمله وقدرته على مواجهة التحديات، مما يؤهلنا لفرصة ممكنة في الديمقراطية، كما أنه لم يعتذر عن الحكومات وتخاذلها في تطبيق القانون وهو لم يرمِ التساهل في الحساب والصمت على الأخطاء على المجتمع، بل على عاتق الدولة وبالتالي على الجهاز التنفيذي أولاً.

[email protected]

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش