الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المشاريع المرشحة لجائزة ايكروم الشارقة

تم نشره في الاثنين 19 تشرين الأول / أكتوبر 2020. 02:34 مـساءً

"إعادة تأهيل نظام النبطي للحماية من الفيضانات في البتراء"

التراث في مواجهة الفيضان.

عمان - ياسر العبادي

مشروع إعادة تأهيل نظام النبطي للحماية من الفيضانات في البتراء في الأردن هو أحد المشاريع الواعدة التي تم اختيارها مؤخراً ضمن قائمة المشاريع المرشحة لجائزة ايكروم- الشارقة للممارسات الجيدة في حفظ وحماية التراث الثقافي في المنطقة العربية في دورتها الحالية لعام 2019-2020. وتعتبر هذه الجائزة التي أطلقها مكتب إيكروم- الشارقة، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، من أهم الجوائز التي تعنى بالتراث الثقافي في المنطقة العربية. 

تعد مدينة البتراء في الأردن واحدة من أكثر مواقع التراث العالمي شهرة وحضوراً، ليس على صعيد المنطقة العربية فحسب بل في كافة أنحاء العالم، نظراً للأهمية التاريخية والثقافية والمعمارية التي تملكها هذه المدينة الضاربة في القدم، والتي يعود تاريخ بنائها إلى عام 312 قبل الميلاد. تقع المدينة في محافظة معان في جنوب المملكة الأردنيّة الهاشميّة على بعد نحو 225 كيلومتر من العاصمة عمان، ولقد كانت ذات يوم عاصمةً لمملكة الانباط القديمة ولقبت باسم (المدينة الوردية) نسبة لألوان صخورها الوردية.

ولكن على الرغم من أهميتها التاريخية والثقافية، إلا أن البتراء تعاني باستمرار من الفيضانات المدمرة التي تصيب المدينة والمنطقة عموماً وتشكل خطراً حقيقياً على معالمها ومواقعها التاريخية، بل حتى على سكانها وزوّارها. ففي نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2018 تسببت السيول والفيضانات التي اجتاحت المدينة والمنطقة المحيطة بوفاة 12 شخص وخلفت وراءها الكثير من الأضرار المادية. وتسببت الكارثة في العام نفسه بإغلاق مدينة البتراء وإجلاء نحو 3700 سائح منها، وقال مسؤولون محليون في حينها أن هذا الفيضان كان الأكبر والأكثر تدميراً في المنطقة منذ عقود.

وعلى الرغم من أن الأنباط القدماء أدركوا خطر هذه الفيضانات في وقت مبكر، وأقاموا شبكة متطورة من المصاطب والسدود للتخفيف من آثارها في الأحواض المائية المحيطة بموقع المدينة، إلا أن العوامل الطبيعية وقلّة الصيانة ادت لإنهيار هذا النظام المتكامل في المنطقة. من هنا تولدت فكرة وضرورة إطلاق مشروع رائد لإعادة تأهيل نظام النبطي للحماية من الفيضانات في البتراء. وقام فريق وطني بتنفيذ مشروع اعادة إحياء نظام المصاطب النبطية القديمة في حوض المدرس، بالتعاون مع دائرة الآثار العامة وسلطة اقليم البتراء التنموي السياحي، بتمويل من منحة صندوق السفراء الأمريكي لحماية التراث الثقافي.

قام المشروع بتوثيق السدود والمصاطب الموجودة في المنطقة باستخدام أحدث التقنيات العلمية. كما شمل المشروع اجراء مسح جيولوجي وهيدرولوجي وآثاري متكامل للموقع، وإجراء تقييم كامل لحالة الحفظ  لكل مصطبة وسّد من المائة وعشر سدود المقامة في حوض التصريف قبل إعادة بناء واجراء التدخلات اللازمة لصيانتها. وبالإضافة إلى ذلك شمل المشروع تدريب أعضاء من المجتمع المحلي على إحياء تقليد بناء المصاطب، للتأكد من استدامة العمل وإمكانية تنفيذه في المستقبل؛ بينما تم تطبيق مبدأ التشاركية مع كافة المؤسسات المحلية والحكومية والمجتمع المحلي في كافة مراحل تخطيط وتنفيذ المشروع من خلال عقد مشاورات ومحاضرات دورية أو من خلال النشطات التفاعلية عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ويهدف مشروع إعادة تأهيل النظام النبطي للحماية من الفيضانات في البتراء بشكل أساسي إلى إعادة احياء نظام المصاطب النبطية القديمة كآلية للسيطرة على الفيضانات في المنطقة؛ وحماية معالم البتراء وبالذات ساحة الخزنة من الفيضانات، مما يطيل عمر هذا الصرح التاريخي الهام ويحمي زوار المدينة. كما يهدف المشروع إلى إعادة احياء الغطاء الحيوي والطبيعي لحوض الصرف العلوي في البتراء؛ وتدريب المجتمعات المحلية على كيفية بناء وصيانة أنظمة المصاطب بالاستفادة من التقنيات النبطية المتوارثة عبر الأجيال؛ وأخيراً زيادة الوعي داخل المجتمع المحلي بأهمية المصاطب وضرورة حمايتها.

ويمكن القول أن المشروع يحظى باهمية كبيرة على أكثر من صعيد، فهو يدمج تقنيات الماضي وتراثه الغني بمفردات الحاضر وتطبيقاته العصرية، إذ يتميّز بكونه مشروعاً محلياً خالصاً بامتياز من جهة، ولكنه في الوقت نفسه يطبق منهجية جديدة تشمل على تعددية التخصصات والتشاركية بهدف حماية موقع تراث عالمي. من ناحية أخرى كانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إعداد دراسة مستفيضة حول المصاطب والسدود في المنطقة، والتي قلّما حظيت بالانتباه، وتشمل دراسة  انواعها وانماط بنائها واستخداماتها. 

من جهة أخرى، تبدو أهمية المشروع من خلال أهمية تدخلاته ونتائجه، إذ تمّ اعادة ترميم وصيانة السدود والمصاطب المقامة والتي اثبتت نجاعتها في التخفيف من أثر الفيضانات في هذا العام، خاصة بعد الفيضان المدمر الذي ضرب المنطقة قبل نحو عامين وخلف الكثير من الأضرار في الأرواح والممتلكات. ولكن الجانب الأكثر أهمية في المشروع هو التأكد من تحقيق الاستدامة للمشروع في وقت تشح فيه الموارد والإمكانات وتزداد فيه المصاعب والتحديات مع مرور الوقت. ولتحقيق ذلك تمّ تدريب وتأهيل كوادر محلية على طرق البناء التقليدية كما وتمّ إعداد منهج خاص بذلك، لكي يتمكن المجتمع المحلي والسلطة المحلية تنفيذها في مواقع أخرى. 

بالمحصلة، يحقق مشروع إعادة تأهيل نظام النبطي للحماية من الفيضانات في البتراء في الأردن أكثر من غاية ملّحة في وقت واحد، وهو يسعى للحفاظ على واحدة من أكثر مدن التراث العالمي شهرة وحضوراً، من خلال إحياء التقنيات والتقاليد الموروثة وتدعيم البنى التحتية التقليدية التي يعود تاريخها إلى مئات السنين، والاستفادة من قدرات وخبرات المجتمع المحلي سواء في نشاطات المشروع الحالية أو في مواجهة التحديات المستقبلية؛ وهو الأمر الذي أهله بالمحصلة ليكون من بين المشاريع الرائعة والمتميزة المرشحة للفوز بجائزة ايكروم الشارقة للممارسات الجيدة في حفظ وحماية التراث الثقافي في المنطقة العربية في دورتها الحالية التي سوف تختتم قريباً.

الجدير بالذكر أنه بالإضافة لمشروع إعادة تأهيل نظام النبطي للحماية من الفيضانات في البتراء في الأردن، تضمنت القائمة المختصرة للمشاريع المرشحة للجائزة خمسة عشر مشروعاً عربياً متميزاً من مصر، فلسطين، سورية والسودان. وتُمنح جائزة ايكروم الشارقة مرة كل سنتين، وتهدف إلى تكريم ومكافأة الأعمال المتميّزة التي تساهم في حماية التراث الثقافي المادي وإحيائه في العالم العربي ضمن فئتين رئيستين، هما المباني والمواقع التراثية، والمقتنيات والمجموعات المتحفية في المؤسسات الثقافية كالمتاحف والأرشيف.

رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش