الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تصاعد فردية الثقافة، و»حق الإنسان أن يكون مفهوما»

جمال الطاهات

الخميس 29 تشرين الأول / أكتوبر 2020.
عدد المقالات: 101


في ذروة السجال الذي أطلقته صور أساءت للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، في عام 2007، برزت معضلة التوفيق بين حرية التعبير، وبين صيانة القيم العليا للثقفات المختلفة. فالحياة المعاصرة تحتاجهما معاً. ولا يمكن التضحية بأيهما لصالح الآخر. وفي سياق التفاعل مع المعضلة الجديدة، وملخصها أن العلاقة بين الثقافات أصبح يباشرها ويصوغ معالمها الأفراد العاديين، وليست الحكومات، والمنصات الرسمية، تقدمت بمبادرة «حق الإنسان أن يكون مفهوماً»، للمؤتمر الأول لتحالف الحضارات المنعقد في مدريد، منتصف شهر كانون الثاني، عام 2008.
المبادرة جاءت على أساس ضرورة تجنب، إعلاء قيمة على حساب أخرى. فكل القيم العليا لها ذات الأثر في صياغة وحدة المجتمعات وتماسكها. والسجال بين القيم، لن يخدم التعايش الإنساني. فالثقافات التي أنتجتها تجارب الشعوب عبر آلاف السنين، وامتزجت روايتها، بالتضحية والقداسة، ليست موضوعاً للمفاضلة. فهناك حاجة ملحة لتطوير منظور إنساني، يمكن من حل الاستعصاءات الراهنة لتفاعل الثقافات بشكل سلمي وخلاق، يغني وحدة التجربة الإنسانية، ويتجاوز فكرة تراتب الثقافات وتفاضلها.
لقد شهد القرن العشرين مساهمات عظيمة للتصدي لفكرة تراتب الثقافات. وتعرضت فكرة تصنيف الثقافات على أساس تراتبي، لهجوم مركزمن قبل طيف واسع من المفكرين، ربما أبرزهم، كلود ليفي شتراوس. الذي هاجم فكرة تصنيف الحضارات (بالتقدم والتخلف)، أو (المتوحشة والمتمدنة). وهذه ليست مجرد فكرة أكاديمية حالمة، بل منتج معرفي معزز علمياً، لتقديم حل لأزمة تعايش الثقافات، ومحاولة للتخلص من الميراث الثقيل للرؤية اليمينية المنغلقة، التي عبرت عن نفسها بتجارب نازية وفاشية، لم يكن بالمقدور المضي قدماً دون تفكيكها بشكل حاسم.
لم تعد وحدة التجربة الإنسانية، مجرد دعوة حالمة، بل هدف تفرضه تطورات الحياة، في العقود القليلة الماضية. فقد غادرت الثقافة عالمها النوراني الشفاف، وبدأت اكثر تأثيراً في منظومات الأمن والتجارة. ومع تزايد هوامش الحرية في المنظومات السياسية عبر العالم، تصبح الثقافة (ببعديها الجمالي والعقلاني)، ضرورة للحفاظ على وحدة المجتمع الإنساني الذي يضمن ويصون حرية الفرد. فالثقافة أصبحت هي الجسر الذي يحقق الترابط، بين النزوع الفردي العارم نحو الحرية، وبين الحاجة لتماسك المجتمعات والحفاظ عليها.
مبادرة حق الإنسان أن يكون مفهوماً، والتي اوصت كل من هيئة تحالف الحضارات، بتضمينها في المناهج المدرسية عبر العالم، وتمت مناقشتها في دورة حوار الشمال والجنوب عام 2008، فكرة تسعى لتأسيس وعي مشترك ينقل التفاعل بين الحضارات، من التنميط والسجال المفضي إلى الاستقطاب والصراع، إلى تأسيس قاعدة وجدانية جمالية وعقلية، للانفتاح المتبادل بين الثقافات. فتفاعل الثقافات على المستوى الفرد العادي، أصبح هو الذي يقود ويوجه العلاقة بين الثقافات. وهناك حاجة لتأسيس مقاربات غير سجالية، لضمان سلمية هذا التفاعل، وأن يكون مصدر ثراء وإغناء للتجربة الإنسانية المشتركة بين الثقافات. فالأفراد، عبر الثقافات، يستعيدون هويتهم وحسهم بثقافتهم.

رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش