الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حصاد الذاكرة

بسام ابو النصر

السبت 31 تشرين الأول / أكتوبر 2020.
عدد المقالات: 93

كان الزرع أخضر وكان الزهر بألوان قوس قزح حين كنت طفلا يستاف الأمل في قريته الأجمل بما يحيط بها من أودية وشلالات وسهول وعلى مقربة منها جبل الشيخ، الذي يقف شامخا يعج بنسماته الباردة في الصيف اللاهب، كان ذلك حين كان الحصاد يأتي بالخير وبما يجعل أهل قريتنا وكل قرى الفلاحين مكتفين فرحين، كنا نحتفي بمواسم الزرع والحصاد وعلى مدار السنة حين كنا نزرع في وقت تتنامى فيه سنبلات القمح وكل شقيقاتها مزدهيات بما تمنحنه للأرض من كسوة خضراء تمتد ومدى البصر إلى التقاء امتداد الأفق، وكان حينها صدر المزارع يعج بالفرح والسعادة منتظرا أن تعطي الشمس كل ما لديها حتى يجنى الزرع في موسم الحصاد، وكان أبي وكل أقرانه وأمي وكل صديقاتها يجلسون بالقرب من حقولهم يتسامرون ويتحدثون عن ماض قريب حامدين شاكرين راضين بما جنوا وما حصدوا، وكأن أحاديث الزمن الجميل الذي قضوه في بيادر الحصاد وحقول الزرع الذي ما غاب عن ذاكرتهم في مراحل حياتهم راوٍ يروي حديث الأيام بألق، يوم كان للحديث لذة وللطيبة لقاء.
وللوطن من أحاديثنا متسعٌ إذ قضى الاباء حياتهم في الدفاع عن الأرض والإنسان، ورووا القصص التي حاكوها وعاشوا لحظاتها لنا، وكنا أطفالاً يانعين نُعنى بالقراءة والكتابة في المدارس العتيقة التي جاء الخطيب من أقاصي البلاد ليعلمنا ونتخرج على يديه، وأيدي المعلمين الذين كانوا أساتذة ومربين يتدخلوا في أدق التفاصيل في حياتنا، كانوا اباء وإخوة ومعلمين وكان لهم دور كبير في تثقيف أهل القرية حين غاب عن بعض أهل القرية التعليم، وساهموا في الارتقاء بالوطن، وحين كان بعض رجال القرية يذهبون بعيدا في الأردن وفلسطين كانوا يأتون بقصص الأهل هناك وكانوا يلقونها لأبنائهم وأحفادهم، وتعمر في قلوب الجيل الثاني عشق تلك الديار ليساهموا في إعمارها والدفاع عنها لاحقا في فلسطين وكل مكان في أرجاء الوطن، كانت الغربة وطنا حين لم يكن الوطن غربة ففي كل الأرجاء كان الناس يتحدثون بذات الهمة وكانت الدولة تعمل بكل ما لديها حتى يتحرر الإنسان من الجهل والاحتلال والمرض.
وكنا ننشد لكل بلد يرجو التحرير من الاستعمار حتى نحقق حلما راودنا في الوحدة لكل أقطار الوطن العربي، وكنا نغني للجزائر في الطابور الصباحي حين كان المستعمر الفرنسي يقتل أشقاء الدم والتاريخ، وكذلك ما حدث ويحدث للأشقاء في فلسطين من متشردي الحرب العالمية من الصهاينة الذين أُعطوا أرضا ليس لهم فيها حق، وأزاحوا أهلها منها ليصبح الشعب الفلسطيني أكثر شعب تم تشريده في التاريخ.
ثم أن الحالة العربية في ظل ما زرعه الاستعمار في وطننا كقاعدة متقدمة له وهو الكيان الصهيوني الذي استنزف النظام العربي وباعد بين أقطاره في الرؤى والأهداف، فبينما كان الوطن العربي يجمع أشلاءه مما تركته جماعة الاتحاد والترقي التي تحكمت بالسلطان العثماني وتركت الولايات العربية لقمة سائغة كان المستعمر الغربي يرسم الحدود ويباعد الإنسان العربي؛ كي لا يحقق حلمه بالوحدة، فقد شارك عثمانيو جماعة الاتحاد والترقي في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا دون الاستماع إلى القادة العرب أمثال الشريف الحسين بن علي شريف مكة المكرمة آنذاك بتجنب الحرب وويلاتها، وواجه العرب مصيرهم في الاستقلال والوحدة، وقام المستعمر بتقسيم الولايات العربية حسب هواه وما يخدم استراتيجيته وترك الخلافات قائمة بين أقطاره سياسيا وجغرافيا وساق إلينا جماعات صهيونية ادعوا أنهم أحفاد بني إسرائيل وأنهم ورثة الأنبياء الذين نؤمن فيهم، والذين تأذوا من بني جلدتهم، وفي الحقيقة ما كان لهؤلاء الصهاينة أي صلة ببني إسرائيل إلا اعتناقهم لنفس الدين اسميا، وأذى كان لقليل مضطهد منهم الحق بأن يكونوا الأحفاد فليس من حقهم المطالبة بأرض تركوها قبل أكثر من خمسة آلاف سنة هي فلسطين التي كانت أرضا كنعانية عربية وهي الأرض التي فتحها الخليفة العربي المسلم عمر بن الخطاب، والذي استلم مفاتيح القدس فيها من المحتل الروماني.

رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش