الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جرعة صبر على معارك الدنيا

تم نشره في الجمعة 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2020. 12:00 صباحاً

 إبراهيم عقرباوي

انسداد الأفق يسوق القلب إلى سكتة عاطفية.

حقول الفرص الجرداء تحرِّض المخيلة على الإبحار في صور تنعش أحلام المنام.

النوم العميق جرعة مخدرة زائدة عن الحد لدحر خيبات النهار.

الحبيبة التي كانت طوق نجاةٍ من أسى الانكسارات الحرجة غرقت في عين ذاتها وأشاحت عن أضواء وجودي.

الأصدقاء الناجون من كذب رفقة الأهواء نثروا سكر دماثتهم على أديم الخواء، وعقروا ناقة الإدهاش، وصالحوا الاعتياد البارد، واستمرأوا البعاد المعنوي المريب.

تمارين التأقلم مع الواقع ممتقع اللحظات فاشلة تماماً، والطريق إلى السعادة المبجلة سالكة بصعوبة.

لكم تُحب أن تُحب.

غير أنه لا مثير ينعش حوافز الإقدام والالتحام على جبهة العاطفة المتوقدة.

لكأنما تعب القلب من الإعراض، وتكلف المودة، وسقوط الرحمة بنيران الحبيبة غير الصديقة. أصاب سهم السأم شباك تصبري في مقتلٍ من طول الهجران والاشتباك بعوالم تناقضاتها، وأجدني بين حلم أسدل ستائره على أجفاني، ويقظة تجدُّ في إزاحتها، منحني على نفسي في رحم الألم تارة، ثم مُسجّى تارةً أخرى في دائرة العناية الحثيثة بآخر أنفاس حكاية القرب والجذب ونثار أوراق ورد على أطلال الوداع... وداعها.

لا شيء يوقظ الدهشة من سباتها العميق.

الرتابة تشد وثاق سطوتها على معصم الوقت الثقيل، ومشاهد النهار المكرورة تمنح بصري فرصة الحزن على ثنائية لون الواقع الراكد والمتشح بالأبيض والأسود فقط، دون أن يفلح التمني بالمؤاخاة بينهما وبين بقية الألوان.

أنا هنا حيث لا ضفاف يانعة، ولا نهر يجري كاللهفة، ولا بحر حر، ولا بحيرات راقصة.

أُتركوا البحر لليله المخيف، والعواصف المباغتة، وأحزانه عالية الموج التي تلطم جنبات الصخور الباردة البكماء.

اجتنبوه إذا ما غضب، وتحاشوا زفرات سأمه من زرقة السماء، وتوقه لألوان سرور يتجدد... أُتركوا البحر يصفو ليعفو عن زلات النهار وشحوب وجوه قاطنيه، ولا تنسوا أنه وحيد تطوقه وحشة هجران الأصدقاء الأشقياء والأحبة الكذبة.

الثراء النفسي. وفرة الفضائل. نضوج ثمار العطاء دون انتظارٍ لأخذ يهجع بباب الحسابات الباردة. امتلاء جرار غلال المكارم، جميعها لا تكفي لحماية الذات من هجمات دبابير المال، وضربات ذئاب النزعات المادية المتوحشة، وصفعات هروبهم من تحمل أعباء المشتركات الإنسانية، ولجوئهم إلى مغاور أنانيتهم الموحشة.

لا تلمني إن سئمت تبجح الأغنياء بمتانة جبهة تفوقهم المادي العابر للطبقات الاجتماعية الرثَّة، وتحليقاتهم حول أوهام الخلود.

جد لي عذراً إن ضجرت من إعادة بناء الحلم الذي تهدم للمرة الألف، وخروجي سالماً مكلوم الخاطر من تحت أنقاض إقحوانه الذي تفتت. لستُ صلباً بما يكفي لتحمل صلف الشخصيات الضحلة، وغرور الفارغين رفاق التفاهة، والذين تجاسروا على تصغير معنى التآلف، وتحجيم مدى الأخوة، وتقزيم سماء الحب، وجرفوا أواصر المودة في طريقهم صوب التقاط فُتات المنافع.

لأهل التجربة والحكمة واللطائف...

ولحرس المثاليات العالية المرفرفة والمباديء المشعشعة النفيسة المغزى تعهدنا صادقين فعلاً وقولاً... لا شأن لنا بالخنازير المعروفة لديكم، التي أشاعت في سهولنا المبرقة تعاليمها المنحطة، وهذرها المنسرب نحو الهباء. لا علاقة لنا بالكلاب التي بالباطل نابحة، وعلى ما يُرمى لها من لُقمٍ حرام تقتات، وما يُبذل لها من شراب مختلف ألوانه ترتوي، ثم تؤمر فتهرُّ خلف أناسٍ مختلفين عنها ومعها ومع آمريها المقامرين المتخمين المتوارين خلف كواليس نُسجت بخيوط المؤامرة... أولئك الذين باعوا حياتهم، وكسبوا دنيا رُهنت للزوال.

لم تحدثنا أنفسنا بذرف الحسرات على من باعوا كنوز رفقتنا بثمنٍ بخس، وأخلدوا إلى البعاد بعد أن عموا عن هدى قربنا الحميم، وأشُربوا في قلوبهم الضلالة بسيئات ما عملوا واجترحوا من موبقات على دروبهم غير القويمة. لكننا قبلنا طائعين مجاورة الأسف، ومصافحة الشجن، ومنادمة الرثاء، وجرع كؤوس تباريح الفراق على الأخلاَّء الذين تخطفتهم المنايا من تحت قباب أرواحنا، ومن جوف خيام ألفتنا. ثكلتك أمك أيها الفرح.. لكم طال غيابك عنا حتى أنسانا أسانا ربيع حضورك البهيج !

هذا ما أتوقعه ولا أرجوه...

أن يخذلني الناس إلاّ من ظن بي خيراً، وكنت له أخاً في الضراء المكفهرة والسراء المتلألئة. أن ينساني من حفظ وجه عشرتي إذا ما أطفأ الغياب نجوم حضوري إلاّ أُمّي وحبيبتي القديمة المتجددة كأماني تجيد الخلاص من الذبول أو الموات. أن يهجر من كان شفافاً رقيقاً كوخ الأخوة الحميم، وأظل مؤمناً بقدوم ربيع الأحبة نعيم الليالي المقفرة من أقمار المسرات.

***

اعتياد الألم يجرح وجه الفرح.

والحزن يستدعيه البال المتعب بإشاراته الملتاعة الخفية. ليتني أقوى مما يظن الآخر صلد المشاعر عنيف العبارة، المهووس بالغلبة. كياني من زجاج أيها الأوغاد المتحصنون بجدران جبنكم، وظرف واقعكم المدعوم من زمرة الباطل.

استرح أبتي في مثواك الأخير، واسكن بصمت وسكينة، فما زلتُ بعدك حيَّاً أُرزق بالقليل الذي يكفي بيرق الكرامة كي يبقى واقفاً لا يسقط في حضن وحوش المال المكتفين بما لديهم من خسّةٍ ووضاعة. لا حمد إلا لله على نقائي وانسياقي وراء الطالبين سلعة الآخرة، وامتثالي لأوامر الطيبة، وحماسة الانتماء إلى خيار الناس، ونجاتي من اللاعبين بمصائرهم في حلقات نار السراب، اللاهثين خلف مطايا الغواية، والقناطير المقنطرة من كاذبات المنى وخادعات الحجى، السائرة صوب شفا جرفٍ هارٍ سينهار بهم لا محالة وعداً منجزا.

رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش