الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رحلة الإبداع الأدبي ومحطاتها في عقل الأديب 1/2

تم نشره في الجمعة 14 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 08:00 صباحاً



]  أ.عباس مناصرة

عرفنا فيما سبق من نظرية المعرفة القرآنية، أن القلب هو مستودع الفطرة، فطرة (الروح) في أصلها وطبعها قبل مخالطتها الجسد، وفطرتها عندما أصبحت (نفسا) بعد مخالطة الجسد وارتباطها به، حيث أضاف لها ذلك الارتباط التلاحم مع الواقع الأرضي وضروراته وأبعاده ومكوناته الزمانية والمكانية.

وهذا معناه أن النفس عند حالة الإبداع تمر في مراحل متعددة يمكن اختصارها في عبارات قليلة، تكشف التماس المعرفي مع الحياة، من خلال تجربة الأديب الغنية بالثقافة الذاتية الطموحة، من خلال المراحل التالية:

1. الواقع الخارجي (الزمان والمكان و البيئة الخاصة بالأديب): ونعني به الواقع بأبعاده الحسية كاملة، وما يتبعه من تماس وتحرش بين الذات وواقعها الخارجي ببعده الزماني والمكاني، وما يثيره في فكر المبدع وشعوره وموقفه.

2. رؤية الواقع: المناهج التي حكمت الذات أثناء إدراكها لهذا الواقع، وخبرتها في التحليل (الاستنتاج والفهم) والوصول إلى الحقائق.

3. موقف المبدع: ما هو موقف المبدع تجاه الحقائق المدركة لدية؟ وما فائدتها وجدواها في حياته وانعكاسها في فنه الأدبي الذي أبدع فيه؟

4. بناء النص: كيف تم بناء النص؟ وذلك من خلال التقاليد الفنية السائدة والممكنة في النوع الأدبي الذي يمارسه، واللغة التي وظفها المبدع في التعبير عن نفسه عندما تحرشت الأحداث الخارجية بشعوره وولدت لديه هذا الموقف.

5. وعندما يحصل التماس مع الواقع وتكتمل دائرة الوعي: بانقداح شرارة الموقف المواجه لحقائق الواقع، عندها يبدأ ضغط الإرادة المبدعة للتعبير عن هذا الموقف في تلك الذات المبدعه.

ومع أن (الموقف الشعوري) سمة عامة ومشتركة بين أبناء الجنس البشري بكامله، وليس للأديب وحده، إلا أن (الأديب) يفترق ويتميز عن أبناء جنسه بقدرته على نقل الموقف، بما أوتي من (الموهبة) والحساسية المرهفة المتحركة مع الموقف المتحرك المتفاعل مع الأحداث، وامتلاك أدوات الإبداع والتمرس والخبرة من خلال (النوع الأدبي) الذي يتناسب مع موهبته، وهذا ما يمتلكه الأديب ولا يمتلكه غيره من أبناء مجتمعه.

ولكن الشيء الذي نذّكر به أن (الموهبة) وحدها لا تكفي بدون الواقع الخارجي، لأنها ربما تبقى خاملة، وهنا تأتي أهمية (الواقع) في استفزاز الغرائز والطاقات والمواهب الكامنة في الذات المبدعة، وتستدرجها إلى شاشة القلب، حيث يفرز القلب المواقف من تلك الأحداث بإشراف الموهبة وخبرة صاحبها في اختزال عملية الإدراك،لإشباع هذه الغرائز والطاقات والمواهب سلوكياً وعملياً وتعبيرياً

3- ميزات المبدع (قطبي الوعي (الدماغ وحواسه + مملكة القلب)):

يفترق مبدع الظاهرة الأدبية (الأديب) عن مبدعي الظواهر الأخرى (الفكرية والعلمية والفقهية) من خلال مظاهر النشاط العقلي الذي يمارسه كل مبدع، حيث يكتفي العالم والمفكر والفقيه بتوظيف منطقتين من مناطق العقل، هما (الحواس والدماغ) فقط لتحقيق أهدافه ومنجزاته، وهي تكوين الرؤية الفكرية أو العلمية أو الفقهية، ومتابعة تطوراتها في الواقع والفكر، وتبقى جهودهم أسيرة للحواس والتفكير في إثبات الظاهرة، ولا تتجاوز هذا الحال إلا في القليل القليل، لأنه يحقق الهدف من خلال لغة بيانية علمية في خطابهم تسمى (الأسلوب العلمي).

    أما في الأدب فالأمر مختلف تماما، لأن الرؤية الفكرية التي تعتمد على (الحواس والدماغ) وحدها لا تكفي، ولأن الأديب إذا اكتفى بالرؤية الفكرية أصبح مفكرا فقط، والفكر وحده لا يصنع أدبا، ولكن (الفكر المعرفي) يشكل المحطة الأولى التمهيدية للدخول في جوهر العملية الأدبية المعقدة قال تعالى: ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو أذانٌ يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) الحج46 ، لأن الفكر يزود الأديب بحقائق الواقع وفهمها، تمهيداً للدخول في المنطقة الثالثة من مناطق العقل بعد الحواس والدماغ، ألا وهي (مملكة القلب) ومشاعرها في إدراك قيمة الأشياء وإدراك مصالح الذات من خلال إصدار قيمه الحقيقة، والإحساس بالخير والشر والقبح والجمال، والنوازع المختلفة لإصدار (قيمة الحقيقة) المدركة لدى هذا القلب، ثم تحديد وإصدار الموقف القلبي الإرادي تحت ضغط الإلحاح الإرادي، الذي سوف يتحول إلى سلوك تعبيري فيما بعد، وهذا السلوك يعكس: (الموقف والقيمة والمشاعر والإرادة والطموح، وقيمة الحقائق وجدواها في إشباع الذات المبدعة) مما يكشف جدوى الحياة وفائدتها لدى الذات التي تعايش الأحداث وهموم الإبداع ، وتحوله إلى نص إبداعي يعتمد المنطق البياني الجمالي (بالأسلوب الأدبي) المعروف، الذي يعكس الحقيقة ببعدها الفكري والقيمي والموقف من خلال الإيحاء الجمالي بعيدا عن المباشرة، وهو أسلوب تعبيري يفرغ طاقات النفس ويعيد لها توازنها مع محيطها بهدوء وحكمة، وتتحكم في هذا المشروع الجمالي وصياغته، مجموعة من العوامل نظن أن من أهمها ما يلي:-

أ- عامل الموهبة: وهي استعداد فطري مخلوق غير مكتسب في أصله، ولكنه قابل للتطور والاكتساب والزيادة بالتعلم والتدريب، والموهبة حالة من الشعور المرهف والاستعداد الفطري للإبداع، ويتميز صاحبها أيضا بالحساسية واليقظة والانتباه الفائق الذي يتمتع به الأديب، هذه الصفات التي تجعل منه إنسانا يشعر بأدق التفاصيل والتغييرات والتحولات من حوله، التي ربما لا يحس ولا يكترث لها الإنسان العادي ولا يلقى لها بالاً.

ب. عامل اللغة: وتشكل اللغة الأداة الأولى والمادة الخام التي يصنع منها المبدع مشروعه الفني الجمالي البلاغي، فهي الوعاء الواسع، الذي يستوعب تجارب الموهبة والتعبيرعنها،

ج. عامل الخيال:

 1- تعريف الخيال : الخيال ملكة إنسانية قابلة للتدريب، وهذه القابلية ترتبط بالعقيدة التي يحملها صاحب تلك الملكة في تفسير الحياة، والخيال الإسلامي خيال توحيدي، وجد تفسير الحياة والوجود كاملا في عقيدته، ولذلك لم يقع في الإسراف والتهويم الذي وقع فيه الخيال الوثني (الصوفي والفلسفي والعلماني) حيث انعكس ذلك في الصوفية الآسيوية (البوذية والطاوية والهندوسية وغيرها)، بميل المتصوف إلى الهروب من بحث حقائق الواقع بل يفسح المجال لخياله حتى يصنع عالما خرافيا ممزوجا بطموحات الذات، وظهر ذلك أيضا في آداب الخيال الفلسفي (اليونانية والرومانية) حيث الخيال المتخلف الذي يجعل لكل ظاهرة من ظواهر الكون آلهة تفسر وجودها، ثم جاء الخيال العلماني المعاصر ليعمل خيالا ممزوجا من تجربة الإنسان المعاصر، وتقدمه العملي ممزوجا بالوثنيات السابقة، كبعد فني ورمزي يرمز إلى الطموحات والأفكار، وهذا الخيال والتحليق والخيال المجنح الذي استعمله الخيال الوثني في فنياته يدل على الطفولة الحضارية للعقل المنفصل عن الوحي والإيمان بالله ولا يدل على التفوق.

2- توظيف الخيال : أما الخيال الإسلامي خيال الفنان المسلم والأديب المسلم، فهو خيال واقعي محبب، يمتد مع خريطة العقيدة الإسلامية في تفصيل الحياة وتفسيرها، وهو أوسع وأرحب من الخيال الوثني المجنح الذي يقوم على تدريب الخيال وتوظيفه بناءا على أوهام النفس وأساطير وخرافات الأمم السابقة التي توارثتها من ثقافاتها عبر تراكم القرون . ولو نظرنا إلى ما يتعلمه المسلم من (القرآن الكريم والسنة الشريفة) من خلال الصياغة الفنية والبلاغة القرآنية والنبوية، وجدنا أنها تعلمنا وتدرب خيالنا على (فنية الصدق والواقعية والجمال النظيف الصافي)، ونوضح ذلك من خلال مثالين: أحدهما من القرآن الكريم والآخر من السنة الشريفة، يقول الله سبحانه وتعالى في تشبيه اليهود الذين حملهم الله أمانة العمل بكتاب الله (التوراة)، ولكنهم عميت أبصارهم عن إدراك عظم هذه الأمانة، وقد نفى الله عنهم الفهم والعلم، وهم كالحمار الذي يحمل على ظهره ما لا يفهمه في قوله تعالى (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً) الجمعة 5، تشبيه في قمة الجمال والدقة والوضوح وفيه سخرية لاذعة للحمار الذي يحمل الكتب والعلم على ظهره ولا يفقه منها شيئا، إنه مجرد عتال لا يدرك قيمة ما يعتله.

وفي قول الرسول r من الحديث القدسي عن عظيم ملكه ورزقه لعباده الذي لا ينفذ، وأن الله لو أعطى كل مخلوق من (الجن والإنس)  ما سأل، ما نقص ذلك من ملك الله شيئا (إلا كما ينقص المخيط من البحر)، ولو نظرنا إلى هذا التشبيه، نجد الصدق والدقة والجمال، إنها واقعية لا انحدار فيها، ولاحرفيه ولا تهويم ولا ضلال، وانظر إلى الخيط كم يحمل من ماء البحر، فالصورة فيها دقة واضحة حيث لا ينقص من ملك الله إلا الشيء الضئيل، وجاءت الضآلة في صورة جميلة بسيطة وحاملة للمعنى بواقعية صادقة في دقتها.

إنها الواقعية الإسلامية التي تحمل في ثناياها الصدق والجمال، والواقعية التي تقرب الفكرة إلى حد الصدق والدقة والبساطة التي لا تكلف فيها، إنها واقعية تأخذ خصائصها وأمثلتها من القرآن الكريم والسنة الشريفة، وقد تعلّم المسلمون ذلك منها فظهر ذلك في نماذج الأدب الإسلامي في القصة والشعر والفنون الأدبية الأخرى، وترى ذلك في شعر محمود حسن إسماعيل وهاشم الرفاعي ومحمد فوزي في قصيدة زوجة الشهيد تهدهد ولدها، وغيرهم من شعراء الإسلاميين كعبد الرحيم محمود صاحب (قصيدة الشهيد) ومسرحيات أحمد علي باكثير وغيرهم، إنها الواقعية التي تجمع بين حقائق (عالم الغيب) الحاضرة في خلق الله وإن غابت عن حواسنا، وحقائق (عالم الشهادة) الذي تدركه حواسنا، ثم جاء علم الوحي ليعلمنا كيف نتفاعل مع العالمين من خلال منهج متوازن الدلالات، يعلمه أن لا نتعامى عن حقائق العلم واحترامها، بل يتربى على الخضوع لهذه الحقائق برضا وتسليم.

3- تحولات الخيال :حيث يقوم الخيال الإسلامي على الواقعية الإسلامية التي تجمع بين عالمي (الشهادة والغيب) في مركب واحد يستمد خبرات عالم الشهادة من علمه وتجربته في الحياة، وخبرات عالم الغيب من الوحي وهديه وعلومه، فيمتد الخيال إلى تصور حقائق الحياة على الأرض، ويحلق مع حقائق الوحي وتفاصيل العقيدة ليصل إلى الجنة وصورها وخيراتها، ويتخيل النار وأهلها، ويتدرب خيال الأديب المسلم على تصور حقائق ومشاهد يوم القيامة، وما يجري في الدنيا في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، من خلال صورها الفنية في الآيات والأحاديث التي طرحتها.

4- طاقة الخيال: ثم تأتي طاقة الخيال لتشرف على اللغة وتستفيد من خصائصها، وتستثمر دقائقها في صياغة المشروع الأدبي، حيث تصنع من خامات هذه اللغة اللبنات الأولى للتقنيات الفنية في صناعة وصياغة الموقف الجمالي من خلال ما يعرف في النقد (البيان والمعاني والبديع والفنيات الحديثة)، وما يتميز به النوع الأدبي من خصائص غالبة، ويتأثر امتداد الخيال بعقيدة المبدع، ويساعد (النوع الأدبي) المناسب لموهبته في التحكم بالأطر العامة للتعبير وحصر الخبرة وتيسير عملية الإبداع، لمنع التجربة من التشتت بين الأنواع الأدبية وضياعها أو ضعفها، وتحتكم طاقة الخيال إلى ثلاثة من (مقاييس الذوق الفني العام، لتنظيم عملية الإبداع، وضبط العلاقة بين التجربة الشعورية القلبية التي تشكل بؤرة المخاض والجهد المبذول من قبل الخيال)، وهذه المقاييس هي( المعقولية والجمال ونقل التوتر) :

أ‌-    المعقولية: ونعني بها ضبط مناسبة (المقال البلاغي الفني) للحال (الشعوري القلبي) وبواعثه، ثم ضبط دفقاته ضمن شروط اللغة وشروط النوع الأدبي، وكثيرا ما يفصله النقاد تحت مسميات صدقية النص وهي:

1. الصدق الواقعي: ونعني به الحقيقة في واقعها المستقل عن شعور الأديب في زمانه الذي عاش فيه وعلاقة ذلك بالنص.

2. الصدق الشعوري: الموقف من حقائق الواقع المعاصر في نفس المبدع أو الأديب دون مواربة أو التفاف، ومدى توافقه مع الحقيقة ومخالفته لها.

3. الصدق الفني: ونعني به الأداء الفني للنص ومدى قدرة التقنيات الفنية ونجاحها في حمل ونقل الموقف بدقة، وقدره المبدع ومدى التوفيق الذي حالفه في تحقيق هذا الأمر وإيصاله للقارئ، ومدى تفاعله مع هذا النص.

فإذا حصل التطابق بين طبقات (الصدق الواقعي والشعوري والفني) في تحقيق الهدف، وهو إبلاغ الموقف للقارئ، نقول إن المعقولية تمت بطريقة ناجحة وسائغة ومقنعة ومؤثرة، وإذا فقد هذا التوافق اختل بناء النص وصدقه وقدح في صدقه والتفاعل معه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش