الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محمود العبيدي. غريزة التجريب المتواصل

تم نشره في الجمعة 14 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 08:00 صباحاً

خضير الزيدي *



لا تنتهي غريزة فعل التجريب والتواصل الفني عند محمود العبيدي في حدود معينة، ولا يبدو لنا ساكنا إزاء ما يترتب على مخيلته، من نشاط، واهتمام، بما ينصب في ذاكرته، أو توجهه المعرفي، فهو كفوء حينما يعالج، وقائع الفن بآلات قديمة مثل (السيوف)، وهو متقدم في بعده البصري حينما يستدل قبلنا لكشف أماكن صادمة في عين المتلقي (اللوحات الفنية) وكل ما يصنعه ينم عن ارث له ملامحه التي تخص نتاجه وطرحه فما الذي توفر من جديد لديه في معرضه الموسوم بـ»بيان بغداد» والمقام في كاليري ساتشي في لندن؟



ضم المعرض المشترك والذي يعد تجمعا فنيا كبيرا أعمالا لفنانين عالميين من أماكن مختلفة ولكن العبيدي أسس مكانته في هذا المعرض لينتج لنا عدة مستويات بصرية متنوعة فنجد له ثلاث لوحات وفيلمين بتقنية الفيديو بالإضافة إلى فكرته التي حملت أرثا تاريخيا وهي الأعمال المكونة من السيوف.

في منجز لوحات الرسم ثمة تداخل لعلامات متعددة كونها بصياغة دقيقة بحيث نجد الأنساق الاشارية منفتحة على علاقات مترابطة تقود إلى معنى واحد وتتحكم في مرجعيات الصورة آثار تقود لمحاكاة الصورة المقابلة حتى لا نجد مركزية تتجلى فيها أعماق اللوحة بل ثمة تراكيب ينطبق عليها تعدد الإشارات وتجاور الرموز وخلال مضاعفتها لنظامها الشكلي والبنائي يتأكد لنا أن إطارها النظري مرهون بمرجعيات حسية وروحية ولا غرابة أن نجد محاكاة اجتماعية مباشرة تنهض بمتغير إيحائي ولهذا تبدو أعماله الفنية الثلاثة محددة بوظيفة مزدوجة أما أفهامية أو ايعازية وطبعا لا تحاكي أيا من ذائقة الإدراك العاطفي والسبب عائد لمرجعياتها التاريخية حينا والسيميائية حينا آخر، هناك وحدات صغيرة مختلفة ومتنوعة في اللوحة تقدم تصورا دلاليا يجعل الشكل الظاهري وكأنه توثيق حسي يتسع لثنائيات متناقضة فكيف تبدو هذه التحولات الشكلية باعثة لسيميائها وناطقة عن مدلولها؟

كل تلك الوحدات الصورية تريد اختزال التاريخ الإنساني وتبديد ذلك التمثيل في مستويات تتجاوز السرد الحكائي لقصص وحوادث ليحل بدلا عنها التعبير الصوري وستستعين بتسلسل علاماتي يظهر لنا نظاما دقيقا من تعاقب الحوادث ولا احسب العبيدي ينأى عن المسرح السياسي وحوادث القتل المعاصرة ولكنه يراعي مادته الشكلية ليضيف لها تأصيلا وقيما ضامرة فهو باتجاه رسم مكون واقعي/ تاريخي/ اجتماعي/ ولكن ضمن حقل دلالي لا يتسع إلا لرموزه الماثلة في التصور البدائي أو المعاصر ومن خلال هذه الرؤية نصل لقناعة بان التجريب وفاعلية الاشتغال الفني عنده يبدو محددا بسياقات تدوينية تقودنا لمكاشفة علاماتها.

في الجانب الآخر مما عرضه من أعمال تجهيز استخدم السيوف وحافظ في تعدد فرضية أشكالها وتقلبها فهو يدرك مدى خطورة استخدامها لدى الإنسان ويشير لعلاماتها التاريخية جراء فعلها القتالي وعليه يبعث برسالة تمثيل صوري وليس أيقوني بان مغزاها الدلالي يؤشر لمرجعية العربي الصحراوي وطريقة تفكيره وإذا استبعدنا الرؤية المحلية فالسيف عبر العصور آلة حادة وقاتلة تشعر الإنسان برهبة ولا أجد محمود العبيدي خرج عن جوانب التأثير النفسي لنظام بلاغة الصورة حينما يطوي السيوف في أشكال متنوعة ويستعين بخواص البعد التكويني لينتج بنيات تصويرية بطاقة الحديد لتوسع من خيال المتلقي فتقترب الإشارة من تجاه مخيلة الإنسان ويتم تحديد المدلول وفقا لمعيارية العمل وما يتركه في نفسية من يشاهده.

شخصيا أتفهم الأسباب التي تدفع بهذا الفنان في اللجوء لهذا التنوع من التراكيب والمواد المستخدمة وإذا بدا الأمر عائدا لخصوبة خياله ومؤثرات طاقته الداخلية التي ترفض الانصياع للكسل فان حماسته بخلق نوع من الفن الذي يحاكي المرحلة إنما هو سياق أخلاقي لمواكبة مصير الإنسان فاللجوء لتكريس أسلوب فني مع اللوحات والاغتراف من مناهج الفن الحديثة والتنقيب عن هوية خاصة بطريقته يجعلنا نفهم تجليات الابتكار الفني الأخير فنلمس له براعة في البناء وإجادة في التركيب وتزاوج في المواضيع.

وبما أن بلاغة ما يعمله لا تنتهي بمنطق سيميائي فحسب بل هو توثيقي لمعاينة نفسية داخلية وارتباط أنساني بحيوية التعايش السلمي ونبذ العنف واستخدام آلياته ومنها السيف ولا احسب أن العبيدي سيكون بعيدا عن نسج أفكاره داخل منظومة العمل الواحد فنزعته التجريدية الأولى وانتصاره لتعبيرية جامحة فيما بعد تفيض بأبعاد واستثمار لطاقة الرموز والمخاطبة مع الوعي وليس الشعور كل هذه المرتكزات كفيلة بان نقول إن ما يتم عرضه في لندن داخل كاليري ساتشي لا تعطي طابعا تجريبيا لمنتجه الفني وحسب وإنما أملت علينا أن نفهم حقله الدلالي وتحول مخيلته القوية وهي تواجه ذائقة المتلقي وبهذا يجعل خطابه الفكري فعلا لازما لتغير بنياته الصورية والأمر ينطبق على تنوع ما فعله من رسومات وفن التجهيز الذي تأسس على مادة الحديد ومنها السيف وكذلك أعمال أفلام الفيديو بناء على رؤيته الإخراجية ونظرته لعالم الفن السينمائي فقد وفر للمتلقي طرحا للتذكير بحادثة (سجن أبو غريب) وما تحمله من معاناة إنسانية وطريقة بشعة للتعذيب جراء تواجد قوات الاحتلال بينما اخذ الفيلم الآخر طابعا عن الأقليات والأديان والطوائف وكل هذا ينساق لتعليل وطني وقيمة والتزام أخلاقي اتجاه ما يجري في العراق والمنطقة أن هذا التركيز الثلاثي الرسم وفن التجهيز.. وخاصة أداة (السيوف) مع أعمال الفيديو وفرت لنا تصورا حيال ما يجول في خاطر هذا الفنان من ركائز جمالية وفنية وإنسانية في ذات الوقت مؤكدا أن رسالة الفن قائمة، وعلينا أن نعي خطورة الأفكار الداعية لنشر الظلام وإفشاء النعرة الطائفية في محيط الحياة والبيئة العربية



* ناقد تشكيلي من العراق

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش