الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أسطورة حرية التعبير في فرنسا

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الثاني / يناير 2015. 02:00 مـساءً

 سلطان العامر
  كثير هو الحبر الذي انساب حول حادثة الهجوم على الصحيفة الفرنسية «شارلي إيبدو» مطلع الشهر الجاري. وكثرته تُشعر بالأسى؛ لأنها تكشف التفاوت الضخم بين قيمة حياة الأوروبيين وغيرهم. فالقتل في أوروبا، وإن مس شخصاً واحداً، يتحول إلى خبر عالمي مثير للاهتمام والكتابة والجدل. أما القتل في بلدان العرب، فعليه أن يمس مئات الآلاف، حتى يبدأ بإثارة الجدل والضجة والاهتمام.
وهذا الحبر الذي انسكب يُشعر بالأسى مرة أخرى إذا تنبهنا إلى أن جله سكب على نوع من الجدل الفلسفي النظري بين المدافعين عن حرية التعبير وبين المدافعين عن احترام المقدسات. وهذا الجدل قد يكون مغرياً لو أنه نقاش عام حول حدود الحريّة ومبررات تقييدها، لكنه يصبح مبتذلاً في مثل الوضع الحالي؛ لسبب بسيط هو أن أياً من المنخرطين في هذا الحوار لم يكلف نفسه عناء التثبت من حقيقة وجود حرية التعبير في فرنسا.
والسبب في أن غالبية المنخرطين في هذا الجدل لم يفتشوا عن هذه النقطة على رغم شهرة بعض القيود الفرنسية على حريّة التعبير- كالقيود المتعلقة بالهولوكوست- هو سيادة نوع من النظرة الميتافيزيقية للدول الغربية بأنها قد انعتقت: أي أنها اجتازت امتحان التاريخ واستقرت هناك في نهايته وقد حققت أقصى درجات الكمال في احترامها للحريّات والديموقراطية وحقوق الإنسان...الخ. والمشكلات، إن كان ثمّة مشكلات، التي تواجه هذا الغرب بحسب هذه النظرة فإنما تأتيه بسبب إحسانه: فهو عندما يفتح ذراعيه لاستقبال اللاجئين يجد هؤلاء- خصوصاً إن كانوا عرباً ومسلمين- يتحولون فجأة إلى مشكلة عبر إصرارهم على الحفاظ على هوياتهم وإرثهم وطرق معيشتهم، ولهذا من الطبيعي أن يصبح التفتيش عن حقيقة دعوى حريّة التعبير في فرنسا عند هذه النظرة من غير المفكر فيه.
فإذا أردنا التحرر من هذه النظرة وقررنا التعامل مع فرنسا بوصفها دولة مثل كل دولة خاضعة للحكم والتقويم ويعتورها ما يعتور غيرها من صلاح وفساد، فإننا سنكتشف أموراً عجيبة. لنبدأ بالقصص التي أوردها بروفيسور القانون جوناثان تيرلي في مقالة له في صحيفة «واشنطن پوست»؛ ففي 2008 أرسلت امرأة رسالة إلى وزارة الداخلية آنذاك نيكولاس ساركوزي تشرح فيها مخاوفها من المسلمين والمثليين، إلا أنها وجدت نفسها متهمة. بعدها بثلاثة أعوام، وجد مصمم للأزياء نفسه مذنباً؛ لأنه علّق بعض التعليقات المعادية للسامية أمام صديقين له في مقهى. وفي عام 2013، حُكم على امرأة بالسجن بتهمة «تبجيل الجريمة»؛ لأنها سمحت لابنها بالذهاب للمدرسة وارتداء لباس كُتب عليه «أنا قنبلة».
وبعيداً عن هذه القصص التي لو حدثت مثلها في دولة عربية لما توقفت الأخبار التي تسخر منها إلى الآن، فإن في فرنسا قوانين ضد الإساءة إلى الأديان أو العرقيات، وتبرر هذه القوانين باعتبارها قوانين محاربة للكراهية. في الوقت نفسه، هناك قانون يجرِّم إنكار الهولوكوست، تم تمرير قانون يجرم إنكار المذبحة الأرمينية. وليس هذا فقط، بل إن هناك تجريماً للتعبير المستفز عرقياً وجندرياً.
في فرنسا لجنة تشرف على المطبوعات الشبابية، وفيها لجنة للبث التلفزيوني والإذاعي سحبت تراخيص مجموعة من القنوات؛ لأنها ذكرت تعبيرات معادية للسامية. ومجلس الطلاب اليهود في فرنسا رفع دعوى ضد موقع «تويتر»؛ لأنه يتيح المجال لمعادي السامية بحرية التعبير، فبدأت الحكومة تجرّم مثل هذه التغريدات وتطلب من ادارة «تويتر» إبلاغها عن هوية المغردين.
في فرنسا تعتبر الإساءة إلى العلم أو النشيد الوطني مخالفة يعاقب مرتكبها بالسجن أو بالغرامة. وفي عام 2003، عندما أطلقت فرقة راب تسمى «سنايبر» أغنية تهاجم فرنسا وتصفها بأقذع الألفاظ، ثم أغنية أخرى تناصر «رماة الحجارة» الفلسطينيين ضد الإسرائيليين، لم يكن من ساركوزي إلا أن جُنَّ جنونه، واستصدر قانونا يجرّم النيل من «كرامة الجمهورية».
وفوق هذا وذاك، نحن نعلم عن القوانين التي تمنع التعبير عن الانتماءات الدينية في الفضاءات العامة في فرنسا، وكذلك عن قانون منع النقاب الذي يبرر بتبريرات مرتبطة بالأمن العام. وبهذه المبررات نفسها، أي حماية النظام العام، حظرت الشرطة الفرنسية التظاهر من أجل نصرة الشعب الفلسطيني الذي كان يقصفهم براً وجواً نتنياهو متصدر المسيرة التي أعقبت الحادثة الفرنسية وكانت مسيرة ضد «الإرهاب».
إنها قطعاً ليست بلداً لحرية التعبير، وأن هذه القيود الكثيرة والضبابية تتيح للحكومة مجالاً واسعاً؛ للمصادرة والتحكم بقدرات الناس على التعبير. وانطلاقاً من هذا كله يصبح النقاش حول التناقض بين حرية التعبير وحماية المعتقدات ليس إلا ترفاً مثالياً غير متحقق في فرنسا.
وعلى رغم ما ذكرته هنا، إلا أن رد فعل أصحاب النظرة الميتافيزيقية التي ذكرتها سابقاً وتمجد الغرب سيراوح ما بين الإنكار الأعمى لكل ما سبق، أو التبرير بجعل هذا كله استثناءات عن الأصل الذي هو حرية التعبير. هؤلاء مؤدلجون، نحتاج إلى أن نثبت لهم وجود العالم أولاً حتى نستطيع أن نناقشهم في أي شيء. لكن، على رغم كل هذا، ما زال لديَّ بصيص أمل أن يندثر مثل هذا التمجيد وامتلاك القدرة على رؤية الظواهر كما هي قدر الإمكان.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش