الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كيف ينتج التشدد تشددا أكبر؟

ياسر الزعاترة

الأربعاء 7 كانون الثاني / يناير 2015.
عدد المقالات: 1809

في نفس اليوم قبل أسبوعين تقريبا ظهر خبران لافتان ويستحقان التأمل، مع أن أخبارا كثيرة تصب في ذات الإطار ما لبثت تتوالى منذ عامين اثنين.
الخبر الأول يتعلق ببيان لتنظيم القاعدة (فرع جنوب آسيا) يستنكر فيه هجوم طالبان باكستان، أو أحد فروعها على مدرسة تابعة للجيش في مدينة بيشاور، وفيه يعلن التنظيم أن قلبه “يتفطر ألما وحزنا” بسبب الحادث، على الضحايا الذين قضوا في المذبحة.
وقال أسامة محمود المتحدث باسم التنظيم “لا شك في أن قائمة الجرائم والفظائع التي ارتكبها الجيش الباكستاني تخطت كل الحدود، وصحيح أن هذا الجيش يتفوق على الجميع في عبوديته لأمريكا وإبادته للمسلمين .. ولكن لا يعني ذلك أن علينا الانتقام من المسلمين المضطهدين”، مضيفا “أن الأسلحة التي حملناها ضد عدو الله أمريكا والحكام التابعين لها والجيش المستعبد، يجب ألا توجه إلى صدور الأطفال والنساء وشعبنا المسلم”.
 أما الخبر الثاني فهو عبارة عن فيديو من إنتاج  داعش يتحدث عن القبض على “خلية من الغلاة” كما وصفها، كفّرت البغدادي، ونائبه العدناني، واتهمت “الدولة” بالردة، وذلك لجملة من الأسباب من بينها عدم تكفير الشعبين العراق والسوري وأخذ الزكاة منهم، ومن بينها مهادنة الظواهري الذي يهادن بدوره المشاركين في العملية الديمقراطية، إلى غير ذلك من تفصيلات.
وإذا تذكرنا الحرب المعلنة منذ حوالي عامين بين جبهة النصرة ومن ورائها تنظيم القاعدة من جهة، وبين الدولة الإسلامية، واتهام الأخيرة للأولى بالردة أو بأنها “صحوات”، مقابل اتهام الأولى للثانية بأنها من الغلاة، ومن “كلاب النار”، أي الخوارج، إلى غير ذلك من المقولات التي وردت على لسان “أبو قتادة”، و”أبو مارية القحطاني”، وغيرهم من رموز السلفية الجهادية.
نتذكر هنا أيضا وثائق أبوت أباد وما حوته من نقد قاسٍ لبعض ممارسات المجموعات المحسوبة على القاعدة، وتوسعها في التكفير وسفك دماء المسلمين تحت مسمى التترس.
نتذكر في هذا السياق أيضا مشاهد مماثلة لبعض المجاهدين العرب في بيشاور أيام الجهاد الأفغاني، وتكفيرهم لبعضهم البعض، ونتذكر أيضا بعض أشكال التكفير بين مجموعات صغيرة في سجون مصر أيام الصدام المسلح في الثمانينيات.
لا زلنا نصر على أن العنف المسلح، ليس نتاج الأفكار والكتب، وإنما هو نتاج الظروف الموضوعية، لأن نفس من ينظرون لهذه المرحلة يمكن أن يتراجعوا ويقولوا شيئا مختلفا حين يصطدمون بالجدار المسدود، وما مراجعات الجماعات في ليبيا ومصر وغيرها سوى تأكيد على ذلك. ويكفي أن تجد رجلا مثل الدكتور فضل (سيد إمام الشريف)، صاحب ما يمكن وصفه بـ”مانفيستو” الجهاديين إذا جاز التعبير وهما كلا من كتاب “العمدة في إعداد العدة”، وكتاب “الجامع في طلب العلم الشريف”، يتحول إلى النقيض، ويهجو الظواهري وأسامة بن لادن، ويصر على أنه يستند في الحالين إلى الكتاب والسنة.
للتذكير أيضا، فهذه الظاهرة ليست حكرا على المجموعات الإسلامية، فقد مرّت المجموعات اليسارية، بل والمتدينة (مسيحية، يهودية، بوذية، هندوسية) بذات المسار، حيث خرج من رحمها مجموعات أكثر تشددا وعنفا، بل حدث ذلك مع مجموعات مسلحة علمانية مثل حركة فتح الفلسطينية، كما في حالة صبري البنا (فتح- المجلس الثوري).
ليس لهذه القضية من حل واضح يمكن الحديث عنه، فهي نتاج ظروفها الموضوعية، لكن وضوح بوصلة السلاح في اتجاه العدو الأصلي يمكن أن يعصم بعض المجموعات من الوقوع في إشكالية تفريخ من هو أكثر تشددا منها (تفسير التشدد والاعتدال يختلف بحسب الرؤية الأصلية لكل طرف)، أو تفريخ عنف لا يصب في خدمة الهدف الأصلي.
أما في حال الانفلات، فإن هناك من سيذهب نحو مزيد من التشدد ويخرّب الساحة برمتها في بعض الأحيان، ويضع الحب في طاحونة العدو.
في كل الأحوال، فهي جميعا نتاج ظروف الاحتلال وعنفه ودمويته، وأحيانا نتاج الانسداد السياسي الداخلي وعنف الأنظمة ودمويتها وسجونها وتعذيبها، ومن دون تغير الظروف الموضوعية المنتجة لهكذا مجموعات وأفعال، فلن يتغير المشهد، ما يعني أنها والمنضوين فيها هم أيضا ضحايا لواقع بائس.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش